إعادة التسلح في أوروبا.. ذرائع معلنة ودوافع مبطنة

فرنسا من الدول التي تدفع باتجاه إعادة تسلح أوروبا
فرنسا من الدول التي تدفع باتجاه إعادة تسلح أوروبا

رئيس أركان القوات المسلحة البريطانية ونظيره الألماني في حديثهما عن «حجة أخلاقية» لإعادة التسلح تحت فزّاعة «التهديد الروسي»، كأنما يستدعيان المقولة اللاتينية التاريخية «إذا أردت السلام فاستعد للحرب»، لكن في عالم السياسة وصراعاتها، ليست كل الأهداف المعلنة هي الحقيقية، وقد تتداخل الدوافع الخفية مع الذرائع المعلنة.

في رسالة مشتركة نشرت في صحيفة الغارديان البريطانية وصحيفة دي فيلت الألمانية، قال أركان القوات المسلحة البريطانية، ريتشارد نايتون، ورئيس أركان الدفاع الألماني الجنرال كارستن بروير، إنهما يتحدثان «ليس فقط كقادة عسكريين لاثنتين من أكبر الدول الأوروبية إنفاقاً في المجال العسكري، بل كصوت لأوروبا»، وفقاً لوكالة الأنباء الالمانية.

وتحت يافطة أن روسيا «تحولت بشكل حاسم نحو الغرب» من خلال حربها في أوكرانيا، يشير القائدان البارزان إلى الحاجة لـ «تغيير جذري» في مسالة «الدفاع والأمن» في جميع أنحاء أوروبا. هذا «التحذير» أتى بعد اختتام مؤتمر ميونخ للأمن السنوي.

رسم مسار

هذه «الصرخة» لم تكن مجرد مطالبة برفع الميزانيات كمل جرى مراراً، بل محاولة لرسم مسار دخول أوروبا مرحلة «اقتصاد الحرب» وتكريس القناعة بأن «التهديد» الروسي بات واقعاً يتطلب تغييراً جذرياً في فلسفة الأمن الأوروبي التي سادت منذ نهاية الحرب الباردة.

وهذا يتفق مع تصريح لأمين عام حلف الناتو قال فيه إن أي مسؤول يرى أن بإمكان أوروبا مواجهة روسيا بدون دعم أمريكا يكون حالماً.

خبراء ومحللون عسكريون يعتقدون أن الدوافع الحقيقية خلف هذا التوجه تتجاوز «الدفاع عن أوكرانيا» لتصل إلى بناء استقلال استراتيجي أوروبي في ظل حالة عدم اليقين التي تكتنف الدور الأمريكي المستقبلي في «الناتو»، وفي ظل اكتشاف العواصم الأوروبية بأن مخازن ذخيرتها وقدرات صناعاتها الدفاعية لا تكفي لخوض صراع عالي الكثافة لأكثر من أسابيع قليلة.

هذا الضغط العسكري يقابله دافع «مبطن» يتمثل في الرغبة في تحفيز الماكينة الصناعية الأوروبية وخلق قطاعات تقلل الاعتماد على السلاح الأمريكي. في المقابل، تبرز جبهة معارضة قوية ترى في هذا الاندفاع نحو إعادة التسلح مقامرة خطيرة.

تصدعات داخلية

في نقاش شهده البرلمان الألماني، حذر محللون اقتصاديون من أن اقتطاع ميزانيات التعليم والضمان الصحي لصالح صفقات التسلح سيؤدي إلى تصدع الجبهات الداخلية ونمو الحركات الشعبوية التي قد تستثمر في تدهور الخدمات العامة والغضب الشعبي الناجم عنه.

ويرى هؤلاء أن «الحجة الأخلاقية» التي قدمها نايتون وبروير هي في جوهرها التفاف على العجز عن إيجاد حلول دبلوماسية، وأن سباق التسلح قد يؤدي بالضرورة إلى وقوع الصدام الذي يسعى الجميع لتجنبه.

بين هذين التوجهين، يقف خبراء العلاقات الدولية أمام معضلة «الأمن القومي مقابل الأمن الاجتماعي».

فبينما يصر القادة العسكريون على أن ثمن السلام هو الاستعداد الدائم للحرب، يرى محللون مثل فرانسوا هيزبورغ من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أن أوروبا تواجه الآن «لحظة الحقيقة»؛ فإما أن تتحمل كلفة التحوّل إلى قوة عسكرية حقيقية مع كل ما يترتب على ذلك من أعباء، أو تظل رهينة لتهديدات قادمة من الشرق قد تغير خارطة القارة للأبد.