أعادت تصريحات أمريكية متجددة بشأن الرغبة في ضم غرينلاند إشعال أزمة دبلوماسية، وسط تحذيرات من تداعياتها على استقرار القطب الشمالي. وقد قوبلت هذه التصريحات برفض دنماركي وغرينلندي واضح، ما أعاد تسليط الضوء على التنافس الدولي المحتدم حول المواقع الاستراتيجية والموارد الطبيعية النادرة.تاريخياً، فضّلت الولايات المتحدة توسيع نفوذها عبر الشراء بدل الضم العسكري المباشر.
فمن لويزيانا وفلوريدا، إلى ألاسكا وجزر فيرجن ومنطقة قناة بنما، رسّخت واشنطن نمطاً توسعياً قائماً على المال والنفوذ السياسي بدل الحروب المفتوحة. غير أن هذا النموذج يبدو أكثر تعقيداً في حالة غرينلاند، نظراً لحساسيتها الجيوسياسية وارتباطها الدستوري بالدنمارك، فضلاً عن الوعي المتزايد لسكانها بحق تقرير المصير.
ويرى خبراء جيوسياسيون أن أي محاولة لفرض واقع جديد، سواء عبر الشراء أو الضغط السياسي، ستواجه رفضاً محلياً ودولياً، خاصة أن سكان الجزيرة ينظرون إلى أراضيهم باعتبارها جزءاً من هويتهم لا سلعة قابلة للبيع.
وفي المقابل، يؤكد محللون اقتصاديون أن غرينلاند تمتلك أهمية متصاعدة بفعل موقعها ومواردها المعدنية، وأن التعاون المنظم مع الدنمارك والانفتاح الاقتصادي المتدرج يقدمان مسارًا أكثر استدامة للتنمية.
ويحذر خبراء من أن أي تحركات أحادية قد تفجّر توترات إقليمية، مشددين على أن الحوار واحترام الأطر الدستورية يظلان الخيار الأجدى لحسم الصراع، بعيداً عن منطق النار أو إغراءات الدولار.
منطق القوة
إلى ذلك، يقول الباحث في العلاقات الدولية، جامعة محمد الخامس، الرباط، د. حمدي أعمر حداد، إن تصريحات ترامب حول رغبة واشنطن في السيطرة على جزيرة غرينلاند، سواء عبر شرائها أو التلويح بخيارات قسرية، تثير تساؤلات جوهرية حول عودة منطق القوة في العلاقات الدولية ومستقبل النظام القانوني الدولي في القطب الشمالي.
وأضاف أن غرينلاند، التي ظلت لعقود بعيدة عن الأضواء، أصبحت اليوم بؤرة استراتيجية نتيجة موقعها الجغرافي وثرواتها الطبيعية، خصوصاً المعادن النادرة والمسارات البحرية الجديدة الناتجة عن ذوبان الجليد.
وأشار إلى أن التعامل مع الجزيرة كصفقة محتملة يعكس اختلالاً في فهم تطور القانون الدولي، فالسيادة على الأقاليم لم تعد قابلة للتداول، وهي مرتبطة بحق الشعوب في تقرير مصيرها، كما نص عليه ميثاق الأمم المتحدة وأكدته محكمة العدل الدولية في اجتهاداتها، مثل رأيها الاستشاري بشأن ناميبيا (1971).موارد معدنية
وأضاف أن غرينلاند تعد أكبر جزيرة في العالم، تتبع الدنمارك بحكم ذاتي واسع، تغطيها جليد دائم، وتتميز بموارد معدنية هائلة وموقع استراتيجي في القطب الشمالي، ما يجعلها محور اهتمام القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة.. ومن ثم فإن أي حديث عن «شراء» الجزيرة يتعارض مع القواعد الدولية، ويعيد تصورات استعمارية تم تجاوزها نظرياً لكنها تحاول الظهور عملياً تحت ضغط التنافس الدولي.
وقال إن موقف الحكومة الدنماركية والاتحاد الأوروبي كان واضحاً: الجزيرة ليست للبيع، ومستقبلها يحدده سكانها في إطار الحكم الذاتي.
واختتم بالقول إن أزمة غرينلاند ليست مجرد جزيرة متجمدة، بل اختبار لقدرة القانون الدولي على الصمود أمام عودة خطاب الهيمنة، بين شرعية حقوق الشعوب ومنطق القوة والصفقات.
تبعات كارثية
بينما يرى أستاذ السياسات الدولية د. أشرف سنجر، أن أي محاولة أمريكية لضم غرينلاند بالقوة ستكون خطوة كارثية، قد تؤدي إلى انقسامات داخل حلف الأطلسي. وأضاف أن الجزيرة تقع تحت السيادة الدنماركية، وفرض السيطرة عليها عسكرياً أو مالياً مرفوض من الدنمارك وسكان غرينلاند، ما يثير مخاطر كبيرة على وحدة الحلف.
وأشار إلى أن المادة الخامسة من معاهدة الحلف تعتبر الاعتداء على أحد الأعضاء اعتداء على الجميع، ما يجعل أي تحرك أمريكي أحادي مضاعف الخطورة.
وأضاف د. سنجر أن الولايات المتحدة تمتلك قاعدة عسكرية في غرينلاند، ولكن رؤية الدنمارك وحلفاء الأطلسي تؤكد أن أمن الجزيرة مضمون ضمن التعاون المشترك، ما يعكس تحدياً داخلياً لواشنطن، خصوصاً مع معارضة بعض أعضاء الحزب الجمهوري والديمقراطي لهذه الخطوة، وهو ما يظهر تبايناً بين الحكومة والمؤسسات الاستراتيجية الأمريكية، مثل البنتاغون، التي ترى في أي تحرك أحادي سيلحق الضرر بالعلاقات مع أوروبا ويحد من قدرة أمريكا على مواجهة صعود الصين.
وأضاف أن المفاوضات بين وزيري خارجية البلدين ستشكل فرصة لتأكيد موقف الدنمارك الرافض لأي تهديد أو عمل عسكري، مؤكداً أن غرينلاند لن تكون ساحة للتجارب الأمريكية كما حصل في فنزويلا، وأن أي تحرك ضد الجزيرة سيضر بالمصلحة الأمريكية قبل أي طرف آخر.
