استضافت طشقند عاصمة أوزبكستان خلال الفترة من 24 إلى 26 أغسطس 2026 واحداً من أبرز اللقاءات الإعلامية والثقافية الدولية في المنطقة، وهو المنتدى الإعلامي الدولي «الحضارة الإسلامية: رؤية جديدة – اكتشافات جديدة»، والذي جمع نخبة من الصحفيين والإعلاميين والخبراء والمنتجين والباحثين والمتخصصين في الصناعات الإبداعية من مختلف دول العالم.
اكتسب المنتدى أهمية خاصة لأنه لا يتعامل مع الإعلام بوصفه مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل باعتباره أداة لإعادة تقديم التاريخ والثقافة والتراث العلمي والفكري إلى الجمهور العالمي بلغة حديثة. ومن خلال الجمع بين الصحافة التقليدية، والإنتاج التلفزيوني والسينمائي، والنشر، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات الرقمية، يسعى المنتدى إلى بناء نموذج جديد للتعريف بإسهامات الحضارة الإسلامية في مسيرة المعرفة الإنسانية.
جاء تنظيم المنتدى في وقت تشهد فيه صناعة الإعلام تحولًا عميقًا نتيجة التطور السريع في التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي. فلم يعد تقديم التاريخ والتراث مقتصرًا على الكتب أو المتاحف أو البرامج التلفزيونية التقليدية، بل أصبح بالإمكان تحويل المخطوطات والشخصيات التاريخية والأحداث الحضارية إلى أفلام وثائقية، ومحتوى تفاعلي، ومنصات رقمية، وتجارب غامرة تصل إلى جمهور عالمي واسع.
ومن هنا اختارت أوزبكستان أن تجعل من تراثها الإسلامي والحضاري محورًا لحوار إعلامي دولي. فالبلاد ترتبط بتاريخ طويل مع الحضارة الإسلامية، وكانت مدن مثل سمرقند وبخارى وطشقند مراكز للعلم والفكر والتجارة والثقافة. كما خرج من المنطقة عدد كبير من العلماء والمفكرين الذين كان لهم تأثير كبير في تطور العلوم الإنسانية والطبيعية.
وسعت أوزبكستان من خلال المنتدى إلى نقل هذه الصورة إلى الجمهور الدولي بطريقة تتجاوز العرض التقليدي للتراث. فالمطلوب ليس فقط التعريف بالماضي، وإنما إظهار كيف يمكن لهذا الماضي أن يصبح مصدرًا للإلهام في الحاضر والمستقبل.
أقيمت الفعاليات الرئيسية للمنتدى في مركز الحضارة الإسلامية في طشقند، الذي يمثل أحد أهم المشاريع الثقافية الحديثة في البلاد. ويهدف المركز إلى تقديم تاريخ الحضارة الإسلامية وإسهامات علمائها ومفكريها من خلال المتاحف والمخطوطات والمقتنيات التاريخية والتقنيات التفاعلية.
شارك في المنتدى ممثلون عن 26 شركة تلفزيونية وإذاعية، و24 منشوراً دولياً، و14 صحيفة، وخمس جمعيات إعلامية دولية، إلى جانب وكالات أنباء ومؤسسات إعلامية أخرى. وعكس هذا التنوع رغبة واضحة في جعل المنتدى مساحة للتواصل بين مدارس إعلامية مختلفة. فالموضوع لا يتعلق بالإعلام الأوزبكي وحده، وإنما بكيفية تعامل المؤسسات الإعلامية الدولية مع موضوع الحضارة الإسلامية والتراث الثقافي في العصر الرقمي.
وقد شاركت في إحدى الجلسات مؤسسات دولية بارزة، من بينها CNN وشروع «1001 Inventions»، حيث ناقش المشاركون كيفية وضع الحضارة الإسلامية وإسهاماتها العلمية والثقافية في الفضاء الإعلامي العالمي.
محاور رئيسية
تنوعت محاور المنتدى لتشمل قضايا تتجاوز الصحافة بمعناها التقليدي. ومن أهم هذه المحاور صناعة الأفلام الوثائقية، والذاكرة التاريخية، والنشر، والتقنيات الحديثة، والذكاء الاصطناعي، والمشروعات الإعلامية الدولية.
وتبرز صناعة الأفلام الوثائقية باعتبارها وسيلة أساسية لإعادة اكتشاف التاريخ. فالفيلم الوثائقي يستطيع الجمع بين الصورة والموسيقى والسرد والشهادات والمواقع التاريخية، وبالتالي تقديم موضوع معقد بطريقة يمكن أن يفهمها الجمهور العالمي بسهولة.
وناقش المنتدى دور النشر في نقل التراث إلى الأجيال الجديدة. فصناعة الكتاب نفسها تشهد تحولًا نتيجة الانتقال إلى المحتوى الرقمي، والكتب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، ومنصات القراءة الحديثة. ولهذا شارك خبراء في النشر خلال فعاليات مرتبطة بالمنتدى في مناقشة مستقبل الكتاب ودور التقنيات الجديدة في نشر التراث الإسلامي.
أما الذكاء الاصطناعي، فشكل محورًا متقدمًا في رؤية المنتدى، إذ يمكن استخدامه في تحليل المخطوطات، وترجمة النصوص، وإعادة بناء الشخصيات التاريخية بصريًا، وإنشاء تجارب تعليمية وتفاعلية، وتوسيع قدرة المؤسسات الثقافية على الوصول إلى جماهير متعددة اللغات.
الإعلام والحضارة الإسلامية
تكمن أهمية المنتدى الأساسية في محاولته الإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن تقديم الحضارة الإسلامية إلى الجمهور العالمي بطريقة حديثة وموضوعية ومقنعة؟. فالتراث الإسلامي ليس مجرد مجموعة من المباني والمخطوطات والشخصيات التاريخية، وإنما منظومة واسعة من المعرفة شملت العلوم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات والأدب والفنون.
وقد ركزت إحدى الجلسات الرئيسية على مركز الحضارة الإسلامية باعتباره منصة جديدة للتعريف بهذا الإرث. وناقش المشاركون مفهوم «اللغة الجديدة للتراث الثقافي»، أي استخدام الوسائط المتعددة في تقديم التاريخ والعلوم والسياحة.
وتبرز هنا أهمية الإعلام في تشكيل الصورة الذهنية عن الحضارات. فالمعلومات التاريخية يمكن أن تبقى محصورة في الكتب الأكاديمية إذا لم يتم تقديمها بلغة يفهمها الجمهور العام. أما استخدام الأفلام الوثائقية والمنصات الرقمية والرسوم التفاعلية والذكاء الاصطناعي، فيتيح تحويل المعرفة المتخصصة إلى محتوى جذاب وقابل للانتشار عالميًا.
الشباب والتعليم الإعلامي
ولم يقتصر المنتدى على كبار المسؤولين والخبراء، بل خصص جانبا مهمًا لتدريب الشباب وطلبة الجامعات الأوزبكية. وشهدت سبع مؤسسات للتعليم العالي في طشقند ورش عمل ولقاءات إبداعية شارك فيها خبراء أجانب من تسع دول، من بينها روسيا وإيطاليا وتركيا وألمانيا والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية والنمسا وأذربيجان والسويد.
وتناولت هذه اللقاءات الصحافة الحديثة، وصناعة الأفلام الوثائقية، والذكاء الاصطناعي، والنشر، والدبلوماسية الثقافية، والسياحة، وأساليب تقديم التراث التاريخي والثقافي إلى الجمهور الدولي.
كما عقد مركز الحضارة الإسلامية بالتعاون مع جامعة أوزبكستان للصحافة والاتصال الجماهيري جلسة بعنوان «الحضارة الإسلامية والإعلام المعاصر: من منظور الصحفيين الشباب». وشدد المشاركون على تزايد الطلب على المعلومات الموضوعية والسريعة، وعلى ضرورة امتلاك الصحفيين للمعرفة المهنية والقدرة على استخدام الأدوات الإعلامية الحديثة.
ومن النتائج العملية المهمة لهذه الجلسة توقيع اتفاق تعاون بين مركز الحضارة الإسلامية والجامعة، بهدف تنفيذ برامج علمية وتعليمية مشتركة للصحفيين الشباب، تشمل التدريب والبحث والمشروعات الإعلامية.
مشروعات إعلامية مشتركة
لم يهدف المنتدى إلى عقد جلسات نظرية فقط، بل سعى إلى إنشاء مشروعات إعلامية مشتركة. وشملت أجندته عرض مشروعات إعلامية دولية، ومبادرات نشر، وأفلامًا وثائقية، وحلولًا رقمية، إلى جانب لقاءات بين الصحفيين والمخرجين والمنتجين والناشرين.
وكمنت أهمية هذا الجانب في إمكانية انتقال المنتدى من مرحلة «التعريف بالتراث» إلى مرحلة «إنتاج محتوى عالمي عن التراث». وهذه نقلة نوعية؛ لأن التأثير الإعلامي المستدام لا يتحقق من خلال مؤتمر واحد، وإنما من خلال الأفلام والكتب والبرامج والمنصات التي تستمر في الوصول إلى الجمهور بعد انتهاء الحدث.
وقد أشار مركز الحضارة الإسلامية إلى أن مواده ومشروعاته الإعلامية وصلت بالفعل إلى وسائل إعلام في 65 دولة، وشملت عشرات المواد الإخبارية والمشروعات المرئية والأفلام الوثائقية والتقارير التلفزيونية والكتب.
أهمية المنتدى لأوزبكستان
شكل المنتدى فرصة لأوزبكستان لتعزيز حضورها الثقافي والإعلامي على الساحة الدولية. فالبلاد لا تقدم نفسها فقط باعتبارها دولة في آسيا الوسطى، وإنما باعتبارها جزءًا أساسيًا من تاريخ الحضارة الإسلامية والعالم العلمي القديم.
كما انسجم الحدث مع توجه أوسع نحو استخدام القوة الناعمة والثقافة لتعزيز العلاقات الدولية. فالتراث يمكن أن يصبح وسيلة للحوار بين الشعوب، خاصة عندما يتم تقديمه باعتباره جزءًا من التاريخ الإنساني المشترك وليس ملكًا حصريًا لمنطقة أو دولة.
ومن هذه الزاوية، شكل المنتدى أداة للدبلوماسية الثقافية، فالصحفي الذي يزور طشقند وسمرقند، ويلتقي بباحثين ومؤسسات ثقافية ويشاهد المخطوطات والمواقع التاريخية، يصبح قادرًا على إنتاج صورة أكثر عمقًا عن أوزبكستان ومكانتها الحضارية.
تحديات
رغم أهمية المنتدى، فإن تحويل التراث الحضاري إلى محتوى إعلامي عالمي يواجه عددًا من التحديات. أولها ضرورة تحقيق التوازن بين الجاذبية الإعلامية والدقة التاريخية. فالرغبة في تقديم قصة جذابة قد تؤدي أحيانًا إلى تبسيط التاريخ بصورة مفرطة.
وثانيها التعامل المسؤول مع الذكاء الاصطناعي. فهذه التقنيات تفتح إمكانيات كبيرة، لكنها تفرض في الوقت نفسه ضرورة التحقق من المعلومات والصور وإعادة البناء التاريخي، حتى لا تنتشر مواد غير دقيقة أو صور مصطنعة تُقدم على أنها حقائق.
أما التحدي الثالث فيتعلق بالتعدد الثقافي. فالمحتوى الذي ينجح في دولة أو منطقة معينة قد لا يكون مناسبًا لجمهور آخر. ولذلك فإن الوصول إلى الجمهور العالمي يحتاج إلى إنتاج متعدد اللغات وإلى فهم اختلافات الجمهور وثقافاته.
