مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان.. جسر بين مجد الماضي وآفاق ‏المستقبل

يمثل مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان واحدًا من أبرز المشروعات ‏الثقافية والعلمية التي شهدتها مدينة طشقند في السنوات الأخيرة، كما يعد من ‏المشروعات الطموحة التي تسعى إلى إبراز الدور التاريخي الذي أدته ‏أوزبكستان وآسيا الوسطى في تطور الحضارة الإسلامية والعالمية.‏

ولا يقتصر المركز على كونه متحفاً لعرض القطع الأثرية والمخطوطات، بل ‏يقدم نفسه بوصفه مؤسسة علمية وثقافية تربط بين التراث والمستقبل، وتستخدم ‏التقنيات الحديثة في تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ بلادهم وإسهامات علمائهم في ‏الحضارة الإنسانية.‏

ترجع فكرة إنشاء مركز الحضارة الإسلامية إلى مبادرة الرئيس الأوزبكي شوكت ‏ميرضيائيف عام 2017، في إطار اهتمام الدولة بإعادة اكتشاف التراث التاريخي ‏والثقافي للبلاد وإبراز إسهامات العلماء والمفكرين الذين نشأوا في المنطقة.‏

وبدأ وضع أساس المشروع في عام 2018، بينما تطور المشروع خلال السنوات ‏اللاحقة ليصبح مجمعاً علمياً وثقافياً كبيراً. وتؤكد الرؤية الرسمية أن المركز لا ‏ينبغي أن يكون مجرد مكان لسرد أحداث الماضي، وإنما فضاءً فكرياً يصل بين ‏الماضي والحاضر والمستقبل.‏

وتتمثل المهمة الأساسية للمركز في تقديم تاريخ الحضارة في أراضي أوزبكستان ‏وآسيا الوسطى، وإظهار إسهامات شعوب المنطقة في العلوم والفنون والأدب ‏والفكر الإسلامي. كما يهدف إلى تعزيز قيم العلم والمعرفة والتسامح والحوار ‏الثقافي، وإظهار أن الحضارة الإسلامية لم تكن مقتصرة على الجانب الديني، بل ‏أسهمت بصورة واسعة في تطور الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والأدب ‏والعمارة وغيرها من المجالات.‏

يقع المركز في العاصمة طشقند، في منطقة ألماظار بشارع كاراساروي، بالقرب ‏من مجمع حضرة الإمام، وهو من أهم المواقع الدينية والتاريخية في المدينة. ‏ويحتل المشروع مساحة تتجاوز عشرة هكتارات، وقد صُمم المبنى بأسلوب ‏يستلهم العمارة الشرقية والإسلامية مع توظيف التقنيات الحديثة. ويضم المبنى ‏أربعة مداخل أو بوابات رئيسية يصل ارتفاعها إلى نحو 34 متراً، بينما يبرز في ‏وسطه قبة ضخمة يتجاوز ارتفاعها 60 متراً، وتذكر مصادر سياحية رسمية أن ‏ارتفاع القبة يبلغ نحو 65 متراً.‏

ولا تقتصر أهمية التصميم على الجانب الجمالي، بل يرتبط أيضاً بالمضمون ‏التاريخي للمركز. فالمبنى يحاول أن يعكس عظمة الحضارات التي نشأت ‏وتطورت في المنطقة، وأن يوفر بيئة مناسبة للمتاحف والبحوث والمكتبة ‏والمعارض والفعاليات العلمية والثقافية.‏

وتتميز معارض المركز بأنها مرتبة وفق تسلسل زمني يساعد الزائر على فهم ‏تطور المنطقة عبر العصور. وتبدأ الرحلة بالتراث السابق للإسلام، ثم تنتقل إلى ‏عصر النهضة الشرقية الأولى، الذي يمتد تقريبًا من القرن الثامن إلى القرن ‏الثالث عشر، ثم إلى عصر النهضة الشرقية الثانية في القرنين الرابع عشر ‏والسادس عشر، وصولًا إلى أوزبكستان الحديثة وما تسميه الرؤية الرسمية أساس ‏النهضة الجديدة.‏

ويحتل القرآن المنسوب إلى الخليفة عثمان بن عفان، المعروف باسم «قرآن ‏عثمان»، مكانة بارزة في المركز. وقد خصصت له قاعة مستقلة ضمن ‏المعرض، وهو ما يعكس أهمية المخطوطات القرآنية في التراث الإسلامي ‏والعلمي للمنطقة.‏

ويضم المركز كذلك عدداً من المخطوطات والوثائق والقطع التاريخية، بعضها ‏نُقل من متاحف أوزبكية، وبعضها جرى الحصول عليه من الخارج، بينما أُعيد ‏إنتاج بعض القطع الموجودة خارج البلاد باستخدام تقنيات علمية دقيقة.‏

ومن الجوانب المميزة في المركز اعتماده على التكنولوجيا الرقمية، فهناك ‏شاشات تفاعلية وعروض افتراضية ووسائط متعددة تساعد الزائر على التعرف ‏إلى الشخصيات التاريخية والأحداث العلمية والفكرية بطريقة أكثر تفاعلية من ‏الأساليب المتحفية التقليدية. كما يتضمن المشروع «جدار الزمن» ومشروعات ‏تفاعلية مثل «كبسولة الزمن»، التي تتيح للزوار تسجيل أفكارهم ورسائلهم ‏للأجيال القادمة.‏

ولا يقتصر المركز على العرض المتحفي، إذ توجد فيه مكتبة مخصصة للبحث ‏والقراءة. ووفق الموقع الرسمي للمركز، تبلغ مساحة المكتبة نحو 3105 أمتار ‏مربعة، وهي مصممة لاستيعاب قرابة 300 قارئ، وتضم مخطوطات قديمة ‏ومؤلفات علمية وأدبية وتاريخية وثقافية، إلى جانب طبعات نادرة.‏

وتبرز أهمية هذه المكتبة في أنها تمنح المركز بعداً أكاديمياً واضحاً. فهي ليست ‏مجرد مكان لعرض الكتب، وإنما يمكن أن تسهم في خدمة الباحثين والطلاب ‏والمهتمين بتاريخ أوزبكستان والحضارة الإسلامية. كما أن الجمع بين المكتبة ‏والمتحف والتقنيات الرقمية يمكن أن يساعد في إنشاء بيئة متكاملة لدراسة التراث ‏ونقله إلى الأجيال الجديدة.‏

أضواء على قرون

وتكمن أهمية المركز في أنه يسلط الضوء على منطقة كانت لقرون طويلة أحد ‏أهم مراكز العلم والثقافة في العالم الإسلامي. فقد ارتبطت أوزبكستان التاريخية ‏بمدن ومراكز علمية كبرى مثل سمرقند وبخارى وخوارزم، وخرج منها عدد ‏كبير من العلماء والمفكرين الذين كان لهم تأثير واسع في العلوم الإسلامية ‏والإنسانية.‏

ومن أبرز الأسماء المرتبطة بالمنطقة الإمام البخاري، صاحب «الجامع ‏الصحيح»، والإمام الترمذي، إضافة إلى علماء كبار في الرياضيات والفلك ‏والطب والفلسفة مثل محمد بن موسى الخوارزمي وأبي علي ابن سينا وأبي ‏الريحان البيروني. ولذلك فإن المركز لا يعرض تاريخ أوزبكستان بمعزل عن ‏التاريخ العالمي، وإنما يحاول إظهار كيف ساهم علماء المنطقة في حركة المعرفة ‏التي تجاوزت الحدود الجغرافية والدينية.‏

وأصبح المركز منذ افتتاحه منصة للتعاون الدولي في مجالات الحضارة ‏والثقافة والتعليم. وفي يوليو 2026 استضاف المركز المنتدى الدولي الأول حول ‏الحضارة الإسلامية بعنوان «الحضارة الإسلامية: طريق السلام والتسامح ‏والتنوير»، بالتعاون مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة ‏‏«إيسيسكو»، وبمشاركة نحو 300 متحدث من 40 دولة. ويشير ذلك إلى أن ‏المركز يسعى إلى تجاوز الدور المحلي ليصبح مكانًا للحوار الدولي حول التراث ‏الإسلامي وقيم السلام والتسامح والمعرفة.‏

كما حظي المركز باهتمام عدد من المسؤولين والشخصيات الدولية، الذين أشادوا ‏بجمعه بين التاريخ والتكنولوجيا الحديثة. وقد وصف المدير العام للإيسيسكو ‏المركز بأنه وجهة حضارية تستلهم الماضي وتصنع المستقبل.‏

وفي الختام، يمكن القول بأن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يمثل ‏مشروعاً ثقافياً يتجاوز مفهوم المتحف التقليدي. فهو يجمع بين التاريخ والبحث ‏العلمي والتعليم والتكنولوجيا والسياحة الثقافية، ويقدم رواية واسعة عن تطور ‏الحضارات في المنطقة وإسهام العلماء المسلمين في بناء المعرفة الإنسانية. كما ‏يعكس المركز اهتمام أوزبكستان بإعادة إبراز تراثها الإسلامي والعلمي وربطه ‏بمشروعها المعاصر.‏

الصورة المتوازنة

وتزداد أهمية المركز في ظل الحاجة إلى تقديم الحضارة الإسلامية بصورة علمية ‏ومتوازنة، تبرز إسهاماتها في العلم والثقافة والتسامح والحوار. ومن خلال ‏المعارض التفاعلية والمخطوطات والمكتبة والبرامج الدولية، يمكن أن يتحول ‏المركز إلى منصة عالمية للتعريف بتاريخ آسيا الوسطى ودورها في الحضارة ‏الإنسانية. ولذلك فإن مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان يمثل، في صورته ‏الحالية، أحد أهم المشروعات الثقافية الحديثة في طشقند، ورمزاً لمحاولة بناء ‏جسر بين التراث العريق ومتطلبات المستقبل.‏