عملية كاراكاس مجازفة سياسية كبرى لترامب

متظاهرون في سان فرانسيسكو احتجاجاً على التدخل في فنزويلا
متظاهرون في سان فرانسيسكو احتجاجاً على التدخل في فنزويلا

تباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالنصر العسكري للولايات المتحدة في فنزويلا، لكن حماسته المستجدة للتدخل الخارجي، تضعه داخلياً في حقل ألغام سياسي.

على مدى سنوات، وجّه ترامب انتقادات للتدخلات الخارجية للولايات المتحدة. وحين وصف قبل عقد من الزمن، غزو العراق بعد هجمات 11 سبتمبر، بأنه «عمل غبي»، كانت مواقفه تبني مدماكاً لأيديولوجيا «جعل أمريكا عظيمة مجدداً» القومية الانعزالية، التي أوصلته إلى البيت الأبيض.

لذا، فإن العملية التي نفّذتها القوات الخاصة السبت في كراكاس، واعتقالها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، محفوفة بمخاطر مضاعفة.

صحيح أن العناصر المشاركين في العملية تمكنوا من الخروج بلا خسارة أي جندي، لكن بالنسبة لترامب، فإن التداعيات السياسية الخطرة بدأت للتو. ومن غير المستغرب أن يسارع قادة الحزب الديمقراطي إلى انتقاد العملية. فقد وصف زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، العملية بأنها «متهوّرة». وقال السناتور روبن غاييغو، الذي شارك في حرب العراق «هذه الحرب غير مشروعة».

لكن كثراً في الحزب الجمهوري الذي يتزعّمه ترامب، أشادوا بالعملية. وساهمت المتحدثة باسم البيت الأبيض في زيادة الحماسة، عبر منشور على منصات التواصل الاجتماعي، ضمّنته رموزاً تعبيريّة، على غرار الذراع القوية والقبضة والنار.

قطع الطريق

وسعى رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، الذي يؤدي دوراً أساسياً في منظومة ترامب السياسية، إلى قطع الطريق على أي تساؤلات بشأن قانونية العملية العسكرية. وقال «إن العمل العسكري الذي جرى في فنزويلا، كان عملية حاسمة ومبرّرة، ستحمي أرواح الأمريكيين».

لكن هناك مؤشرات تدل على امتعاض بعض الجمهوريين. فبعيد انتشار نبأ الضربة في كراكاس، كتب السناتور المحافظ مايك لي، على منصة إكس، أنه يتطلّع «لمعرفة ما إذا هناك أي شيء، قد يبرّر دستورياً هذا الفعل». وأشار إلى أنه لم يكن هناك «إعلان حرب أو تفويض باستخدام القوة العسكرية».

لكن بعد برهة، قال إنه تحدّث مع وزير الخارجية ماركو روبيو، وتلقى تطمينات بأن الهدف من العملية يقتصر على اعتقال مادورو، مشيراً إلى أن هذا الأمر «يندرج على الأرجح ضمن السلطات الجوهرية للرئيس».

أما النائبة مارغوري تايلور غرين، التي تعد من الشخصيات البارزة في حركة «جعل أمريكا عظيمة مجدداً»، والتي كانت من كبار داعمي ترامب، قبل أن يباعد بينهما خلاف، فكانت أقل تساهلاً. ففي منشور مطوّل على إكس، وجّهت انتقادات حادة لتفسير ترامب للنزاع مع فنزويلا، بأنه يتّصل بوقف تهريب المخدرات.

وقالت إن معظم الفنتانيل الفتاك الذي يدخل الولايات المتحدة، يأتي عبر المكسيك، متسائلة «لماذا لم تتّخذ إدارة ترامب إجراءات ضد عصابات المخدرات المكسيكية؟». وطرحت غرين سلسلة تساؤلات، يرجّح أن يتردّد صداها في أوساط القاعدة الشعبية للحركة، بما في ذلك كيفية تفسير الفرق بين فرض تغيير النظام في فنزويلا، والهجوم الروسي على أوكرانيا.

وكتبت أن «الاشمئزاز» من التدخلات الخارجية و«حروب المحافظين الجدد»، والإنفاق في الخارج بدلاً من الداخل، «هذا ما اعتقد كثر في (ماغا) أنهم صوتوا لوضع حد له»، مضيفة «كم كنّا مخطئين».

روسيا والصين

وشرح ترامب أن عملية كراكاس، تندرج في إطار إحياء لما يعرف بـ «عقيدة مونرو»، وهو مبدأ في السياسة الأمريكية، نشأ قبل أكثر من قرن، ومفاده أن أمريكا اللاتينية ينبغي أن تكون منطقة نفوذ للولايات المتحدة.

وقال ترامب «أصبحنا الآن نسمّيها عقيدة (دونرو)»، وهي كلمة مركّبة، تجمع الأحرف الثلاثة الأولى من اسمه الأول «دون» مع الجزء الأخير «رو»، من اسم شهرة سلَفه البعيد جيمس مونرو.

وفي إطار ما وصفته «استراتيجية الأمن القومي» الجديدة بـ «ملحق ترامب» لمبدأ مونرو، أشارت إلى أن الولايات المتحدة ستسعى للوصول إلى موارد ومواقع استراتيجية في أمريكا اللاتينية.

غير أن هذا النهج التوسعي، برأي مراقبين، قد يشجّع خصوم الولايات المتحدة، وفي مقدّمهم روسيا والصين، على اتباع سلوك مماثل في مناطق نفوذهم، لا سيما روسيا حيال أوكرانيا، والصين تجاه تايوان.

تحذير للحلفاء

وقد تُشكّل العملية في فنزويلا أيضاً تحذيراً لحلفاء الولايات المتحدة القلقين من تلويح ترامب بالاستحواذ على الموارد الاستراتيجية، وأبرزها مجاهرته بعزمه على ضمّ إقليم غرينلاند الدنماركي، المتمتع بحكم ذاتي.

وقالت مديرة مركز الأبحاث والتحليل العسكري، ديفنس برايورتيز جنيفر كافانا «لن تجد الولايات المتحدة صعوبة كبيرة في أن ترسل بضع مئات، أو بضعة آلاف من العسكريين، إلى غرينلاند، ولا أرى من يمكنه الاعتراض على ذلك».

ولاحظت كافانا أن العملية في فنزويلا «تطرح سؤالاً مفاده: إذا كان بوسع الولايات المتحدة أن تعلن أن مسؤولاً ما لا يتمتع بالشرعية، وأن تطيح به وتحكم بلده، فماذا يمنع دولاً أخرى من أن تفعل الأمر نفسه؟».

ورأى الباحث في مركز «أتلانتيك كاونسل»، ألكسندر غراي، الذي كان عضواً في مجلس الأمن القومي خلال ولاية ترامب الأولى، أن هذه العملية تنذر في الحد الأدنى بنهج أمريكي أشد صرامة في أمريكا اللاتينية.

وأضاف: «من الواضح جداً أن لا تساهُل بعد اليوم مع النوع ذاته من النفوذ المحدود للصين أو روسيا أو إيران، الذي خبرناه خلال العقدين المنصرمين».