"مبدأ مونرو" يسقط مادورو.. كيف بدأت القصة؟

في ديسمبر الماضي، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن العودة إلى "مبدأ مونرو" في استراتيجية الأمن القومي الجديدة، ومبدأ مونرو هو عقيدة سياسية أعلنتها الولايات المتحدة عام 1823 على لسان الرئيس جيمس مونرو، وجوهرها أن نصف الكرة الغربي (الأميركيتان) يُعدّ مجالاً حيوياً خاصاً بالولايات المتحدة، وأن أي تدخل أوروبي في شؤون دول أميركا اللاتينية يُعتبر عملاً عدائياً.

وأول تطبيق عملي لهذا المبدأ كان في فنزويلا، واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، فجر اليوم، ونقلهما إلى الويالات المتحدة بتهم جنائية متعلقة بإدارة شبكات مخدرات.

أظهر الرئيس دونالد ترامب، في منشور من 74 كلمة على وسائل التواصل الاجتماعي، أنه قادر على التحرك بحسم وبشكل مفاجئ، سعياً وراء أهدافه المتعددة والمتقلبة في السياسة الخارجية، مع قدر ضئيل من الاكتراث بالسوابق أو العواقب، وفق تقرير لشبكة سي إن إن.

العملية التي جرى فيها نقل نيكولاس مادورو وزوجته من موقع شديد الحراسة في كراكاس إلى أمريكا لمثولهما أمام القضاء، تتبع نمطاً متوقعاً، وإن كان متطرفاً، في التعامل الأميركي مع من تصفهم واشنطن بـ«الفارين من العدالة»، ولا سيما مع رصد مكافأة قدرها 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى القبض عليه.

لكن ثمة استثناءً خطيراً هنا وفق "سي إن إن": مادورو هو رئيس دولة، ودولته واقعة تحت وطأة مجموعة من الأهداف السياسية الأميركية المستمرة. ومهما قيل في لوائح الاتهام، فإن ما جرى سيبدو دائماً فعلاً سياسياً بامتياز.

لقد سعت إدارات البيت الأبيض المتعاقبة إلى إزالة النظام الفنزويلي اليساري، لكنه سلطوي وعنيف في أحيان كثيرة، سواء بذريعة مكافحة تهريب المخدرات، أو بسبب النفط، أو لأسباب تتعلق بالاصطفاف الإقليمي.

وخلال الولاية الثانية لترامب، جرى الترويج لإنهاء دور مادورو بوصفه رأس شبكة إقليمية واسعة لتهريب المخدرات باعتباره ركناً أساسياً في مبررات هذه السياسة. وفي عمق هذا التحرك تكمن طموحات واشنطن الأوسع لإحكام سيطرتها على محيطها القريب، في إطار ما تسميه تحديثاً لمبدأ مونرو.

في المحصلة، مع مرور الوقت، تحوّل مبدأ مونرو من «تحذير دفاعي» إلى أداة هيمنة. ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولا سيما مع «إضافة روزفلت»، جرى تأويل المبدأ بوصفه تفويضاً أميركياً بالتدخل العسكري والسياسي في دول الجوار بهدف «الاستقرار» و«منع الفوضى»، ما فتح الباب أمام انقلابات، واحتلالات، وحروب بالوكالة في كوبا، وبنما، ونيكاراغوا، وتشيلي، وغيرها.

أما تحديث مبدأ مونرو في عهد دونالد ترامب فلم يكن إعلاناً رسمياً مكتوباً، بل عودة عملية وصريحة إلى منطقه الإمبراطوري. إدارة دونالد ترامب تعاملت مع أميركا اللاتينية باعتبارها «الحديقة الخلفية» للولايات المتحدة بلا مواربة، واعتبرت النفوذ الروسي والصيني والإيراني في المنطقة تهديداً مباشراً للأمن القومي الأميركي. لذلك جرى إحياء مبدأ مونرو كسياسة ردع نشطة: عقوبات قاسية، خنق اقتصادي، دعم معارضات داخلية، وشرعنة فكرة تغيير الأنظمة بالقوة أو بالضغط.

في حالة فنزويلا تحديداً، اتخذ هذا «التحديث» إلى منطق القبض على رأس الدولة نفسه، وهو تطور نوعي ينقل مبدأ مونرو من مرحلة التدخل غير المباشر إلى مرحلة السيادة المنتقصة، حيث تصبح الدولة الواقعة في المجال الأميركي عاجزة حتى عن حماية رئيسها إذا قررت أمريكا الإطاحة به.