تعيش فنزويلا مشهداً سياسياً شديد الاضطراب في أعقاب العملية العسكرية الأمريكية التي هزت العالم، وأسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، ونقله إلى الولايات المتحدة قبل نحو أسبوعين.وعلى الرغم من تولي نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز، رئاسة البلاد مؤقتاً، إلا أن تأكيد الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، أن الولايات المتحدة «ستدير فنزويلا ربما لسنوات»، يعكس رغبة واشنطن في السيطرة على مفاصل الحكم والاستفادة من الموارد الاقتصادية، خصوصاً النفط.
هذا التطور يفتح فصلاً جديداً وحاسماً في تاريخ فنزويلا، ويضع البلاد أمام تحديات استراتيجية هائلة، إذ تعكس تصريحات الإدارة الأمريكية رغبة صريحة في هيمنة نفوذية طويلة الأمد عبر إعادة هيكلة المؤسسات السياسية والاقتصادية، وهو ما قد يضع البلاد في تبعية اقتصادية وسياسية لفترات ممتدة، ويعيد توجيه مسار الدولة وفق مصالح خارجية.
لكن من الجانب الآخر يشير خبراء إلى أن الإرادة الفنزويلية والمكونات الشعبية قد لا تكون رهينة بالكامل، فالتاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد، وارتباط المواطنين بثرواتها وهويتها الوطنية، يعني أن أي حكم «تابع» سيواجه مقاومة اجتماعية وسياسية مستمرة، خصوصاً إذا لم تتحسن الظروف المعيشية على الأرض.
خضوع أم مقاومة؟
في السياق ذاته يشير الباحث السياسي وخبير العلاقات الدولية، عامر تمام، إلى أن فنزويلا بعد اعتقال الرئيس السابق، نيكولاس مادورو، ودخول نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز إلى الحكم، تواجه مرحلة سياسية حاسمة وغير واضحة المعالم.
ويؤكد تمام وجود محاولات لفتح حوار محدود مع الولايات المتحدة، لكن مطالب واشنطن وطبيعة الخضوع المحتمل للإدارة الجديدة لم تتضح بعد،
كما يثير دور الجيش والشعب الفنزويلي، وإمكانية إجراء انتخابات، تساؤلات حول استمرار هيمنة اليسار أو ظهور قيادة جديدة ترفض النفوذ الأمريكي.ويطرح تمام سيناريوهين رئيسيين: الأول يتمثل في خضوع كامل للولايات المتحدة، حيث سيكون النظام الحاكم متماسكاً مع واشنطن، مناصراً لكل ما تدعمه الولايات المتحدة وإسرائيل، على غرار النظام الأرجنتيني في الماضي، وداعماً لهم في المحافل الدولية.
ويضيف أن هذا السيناريو قد يشمل سيطرة أمريكية على الاقتصاد والنفط، وربما يشمل وجوداً عسكرياً محدوداً، مع تأثير سلبي محتمل على علاقاتها مع الصين وإيران وروسيا،
ويرى تمام أن هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً حالياً، نظراً لغياب مقاومة قوية داخل الدولة بعد التخلص من مادورو.
السيناريو الثاني، أقل احتمالاً، هو ظهور قيادة يسارية جديدة ترفض الهيمنة الأمريكية، عبر انتخابات أو تحركات سياسية شعبية أو عسكرية، ما قد يعيد التوازن الوطني ويؤجج صراع النفوذ الخارجي.
ومع ذلك يرى تمام أن هيمنة واشنطن واستمرار تأثيرها على السياسة والاقتصاد يبقى الاحتمال الأكبر في المستقبل القريب، مع انعكاسات مباشرة على استقلال القرار الوطني لفنزويلا.
انتقال سياسي منضبط
بدوره يرى د.محمد بوبوش، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول في وجدة، أن اعتقال الرئيس مادورو شكّل صدمة داخل النظام دون أن يؤدي إلى انهياره، إذ ما تزال مؤسسات الدولة، ولا سيما الأمنية والعسكرية، متماسكة تحت قيادة نائبة الرئيس، ديلسي رودريغيز.
هذا الواقع، بحسب بوبوش، يدفع واشنطن إلى تبنّي مقاربة براغماتية واقعية في إدارة مرحلة ما بعد مادورو، بدل السعي إلى تغيير جذري وفوري للنظام.
ويؤكد أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على إدارة انتقال سياسي مضبوط عبر الإبقاء على الهياكل القائمة، مع دفعها لتغيير سلوكها باستخدام أدوات الضغط العسكري والاقتصادي، خصوصاً حصار الصادرات النفطية.
وتشمل المطالب الأمريكية وقف تهريب المخدرات، وفك الارتباط مع إيران وروسيا والصين وحزب الله، مقابل فتح قطاع النفط أمام الشركات الأمريكية بشروط تفضيلية.
وتظهر هذه البراغماتية في تجاهل واشنطن لرموز المعارضة التقليدية، واستعدادها للتعامل مع شخصيات من داخل النظام نفسه، وفي مقدمتها ديلسي رودريغيز.
ويشير بوبوش إلى أن واشنطن تطرح مساراً تدريجياً يبدأ بمصالحة وطنية تشمل الإفراج عن المعتقلين وإعادة المعارضة وبناء المجتمع المدني، تمهيداً لمرحلة انتقال السلطة. لكنه يحذر من أن رفض أطراف داخل النظام لهذه الشروط قد يدفع الولايات المتحدة إلى تصعيد الضغوط عسكرياً، وصولاً إلى خيارات أكثر حدة.
وفي المحصلة يرجّح بوبوش سيناريو تُدار فيه فنزويلا فعلياً كـمحمية نفطية خاضعة للنفوذ الأمريكي، مع ضمان السيطرة على قطاع الطاقة كأولوية قصوى.
