زلزال ترامب يضرب بروكسل..«الناتو 3.0» أو الانفجار

تصاعدت حدة التوترات الدبلوماسية بين واشنطن وحلفائها الغربيين عقب الانتقادات الحادة التي وجهتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لسلوك دول حلف شمال الأطلسي "الناتو"، والتي ترافقت مع تلويح مباشر بتقليص الدعم العسكري والأمني الممنوح لأوروبا. وأبرزت وسائل الإعلام الأمريكية ووكالات الأنباء العالمية حزمة من الإجراءات والقرارات الصارمة التي اتخذتها واشنطن مؤخراً لإعادة صياغة العلاقة مع الحلف وتحويله إلى ما وصفته بـ "الناتو 3.0"، وهو مفهوم يهدف إلى جعل أوروبا القائد والمسؤول الأول عن دفاعها التقليدي بدلاً من الاعتماد الكلي على المظلة الأمريكية التي استمرت لعقود.

ونقلت التقارير الصحفية العالمية تفاصيل الموقف الأمريكي الذي صاغه وزير الدفاع بيتي هيغسيث في بروكسل، حيث أعلن رسمياً عن بدء مراجعة شاملة ومكثفة تستمر لستة أشهر لتقييم أداء الحلفاء ومدى التزامهم بالإنفاق العسكري، مع الضغط لرفع سقف الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي. وعكست صحيفة "واشنطن إكزامينر" هذا الموقف الحازم عبر مقتطف من تغطيتها جاء فيه:

"أعلن وزير الدفاع بيتي هيغسيث عن مراجعة عسكرية جديدة لستة أشهر للموقف الأمريكي في أوروبا... وأوضح أن اللائحة الجديدة ستجعل الرسوم السنوية التي تدفعها أمريكا للحلف مشروطة بمدى التزام الدول الأخرى بأهداف الإنفاق الدفاعي، مؤكداً: (سيكون الناتو طريقاً ذا اتجاهين، هذا هو المنطق السليم. لا يمكن لأمريكا أن تهتم بدفاع أوروبا أو تدفع من أجله أكثر مما يفعله حلفاؤنا بأنفسهم)".

ولم تتوقف الضغوط الأمريكية عند الشق المالي، بل تُرجمت فعلياً من خلال استياء أمريكي معلن من رفض بعض القوى الأوروبية منح القوات الأمريكية حق استخدام أجوائها ومطاراتها العسكرية خلال العمليات الأخيرة في الشرق الأوسط ضد إيران.

وفي هذا السياق، نقلت شبكة "فوكس نيوز"  مقتطفاً لاذعاً من خطاب وزير الدفاع الأمريكي يهاجم فيه هذا السلوك بقولها:

"شن وزير الدفاع بيتي هيغسيث هجوماً حاداً على الحلفاء الأوروبيين لرفضهم مساعدة القوات الأمريكية في الحرب ضد إيران، وخاصة أولئك الذين منعوا استخدام القواعد العسكرية، حيث قال: (هؤلاء الحلفاء وضعوا أبناء وبنات أمريكا في خطر بحرمانهم من الوصول المتوقع والقواعد والأجواء التي لم يكن ينبغي أبداً أن تكون موضع شك)".

وفي سياق متصل، سلطت وكالة الأنباء الأمريكية "أسوشيتد برس" (AP) الضوء على التداعيات العميقة لهذه المراجعة المفاجئة، وأوردت مقتطفاً يوضح حجم القلق السائد ومخاوف الخبراء من انهيار الثقة المشتركة:

"أعطى هيغسيث الحلفاء ستة أشهر لتصحيح الأوضاع قبل مراجعة البنتاغون التي تربط وجود القوات الأمريكية والاستثمارات في الناتو بمدى قيامهم بمسؤولياتهم. وعلقت راشيل إيليهوس، المديرة العامة لمعهد الخدمات المتحدة الملكي، قائلة: (هذا أسلوب أشبه بفرض الإتاوات لحماية الآخرين، وهو ما يقوض التضامن داخل الناتو، ويهز الثقة في الالتزام الأمريكي، ويضر في نهاية المطاف بالمصالح الأمنية للولايات المتحدة نفسها)".

بينما رصدت هيئة الإذاعة الكندية "سي بي سي"  الإجراءات اللوجستية المباشرة التي باشرتها واشنطن لمعاقبة الحلفاء، مقتطفةً من واقع الأزمة الميدانية:

"إن هذه المراجعة تأتي بالإضافة إلى قيام البنتاغون مؤخراً بتقليص قائمة القوات والقطع العسكرية التي كانت مخصصة للناتو في حالات الطوارئ، مما ترك الحلفاء الأوروبيين يسابقون الزمن للعثور على معدات لسد هذه الفجوات، حيث تصر إدارة ترامب على أنها بحاجة للتخطيط لصراعين متزامنين، وتريد توجيه المزيد من الموارد العسكرية لمواجهة الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ".

وفي المقابل، حاول الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، استيعاب هذه التحولات المتسارعة والتقليل من حجم الأزمة عبر إبراز جهود أوروبا الحالية لتعديل كفتها، وهو ما ظهر في مقتطف نقلته مجلة "فيوتشر وارفير"  من تصريحاته:

"بينما تقوم الولايات المتحدة بتعديل مساهماتها المقررة، نرى أن الحلفاء الآخرين قد تقدموا للمساهمة بالمزيد... إن أوروبا وكندا تكثفان جهودهما بالفعل، وما يحدث ليس انسحاباً أمريكياً، بل إعادة توزيع للمسؤوليات كان العديد من الحلفاء يعلمون منذ فترة طويلة أنها قادمة".