صراع الجبهات.. من المحيط الهادئ إلى المضيق الهائج

قادة عسكريون يرفعون علم التدريبات المشتركة في معسكر لوزون قرب مانيلا
قادة عسكريون يرفعون علم التدريبات المشتركة في معسكر لوزون قرب مانيلا

بينما تشخص أبصار العالم نحو الساعات الأخيرة من «الهدنة الهشة» في الشرق الأوسط، والترقب لعودة النيران إلى جبهة إيران، بخاصة على وقع الأزمة المشتعلة في مضيق هرمز، انطلقت في المحيط الهادئ مناورات «باليكاتان 2026» لتكشف عن وجه موازٍ للصراع الدولي. ظاهرياً، هي تدريبات سنوية، لكن توقيتها وسياقها العسكري يحولانها إلى استراتيجية «تأمين الأجنحة» في لحظة دولية استثنائية.

مراقبون يرون أن هذه الخطوة تمثل محاولة واشنطن لكسر الرهان الصيني على «تشتت القوة الأمريكية». كما أن الخطاب العسكري الأمريكي من لوزون كان موجهاً لطهران بقدر ما هو موجّه لبكين، حيث تريد أن تقول إن «قدرتنا على الحشد لا تحدها جغرافيا».

ولم يكن اختيار قائد قوة الاستطلاع البحرية الأمريكية، الجنرال كريستيان وورتمان، لمفردات مثل «ثبات التركيز رغم التحديات في أماكن أخرى» مجرد كليشيه عسكري، بل كان رداً مباشراً على التساؤل الجوهري في بكين وموسكو: «هل استنزفت ضربات 28 فبراير ضد إيران القدرة الأمريكية؟». ربما تعمدت واشنطن تقديم الإجابة عملياً عبر حشد 17 ألف جندي وإخراج نظام «تايفون» الصاروخي من مخزنه، في رسالة مفادها أن تواجدها في الشرق الأوسط لن يبتلع نفوذها في المحيط الهادئ.

المشاركة الجراحية

وتشارك اليابان بـ 1400 جندي واستخدام صواريخ «كروز 88» لإغراق كاسحة ألغام تعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية قبالة سواحل جزيرة لوزون، هذه المشاركة تعتبر تحولاً نوعياً في العقيدة العسكرية لشرق آسيا. طوكيو تريد أن تقول إنها لم تعد تكتفي بدور القاعدة الخلفية، بل باتت تمارس «الردع النشط».

هذا المشهد يتناغم في جوهره مع الضربات المباغتة التي وجهتها أمريكا وإسرائيل لإيران في فبراير الماضي، حيث باتت القوى الحليفة تتبنى استراتيجية «الضربة الاستباقية» لإغلاق الممرات المائية الحيوية أمام أي تحرك صيني محتمل في ظل الفوضى العالمية.

الرد الموازي

رد الفعل الصيني الذي وصف المناورات بـ «اللعب بالنار» يحمل دلالات أعمق من الاحتجاج التقليدي، إذ إن هذا الوصف يتجاوز البروتوكول الدبلوماسي ليشير إلى أن الصين تدرك جيداً الرابط بين الجبهتين، وترى في هذا الحشد محاولة لتطويقها في وقت حساس دولياً، ما قد يدفعها لاتخاذ خطوات «عكسية» لكسر هذا الطوق، ربما عبر استغلال أي تصعيد قادم في الشرق الأوسط.

وفيما تعتبر بكين أن واشنطن تحاول تنميط الصراعات، بحيث تظل الصين محاصرة في أرخبيلها بينما تتفرغ أمريكا لإيران، تبرز خطورة تلويح الخارجية الصينية بالرد، إذ يرى مراقبون أن بكين قد تجد نفسها مضطرة لرفع مستوى التوتر في مضيق تايوان تزامناً مع انتهاء الهدنة الإيرانية، لبعثرة أوراق «التركيز الأمريكي» الذي تحدث عنه وورتمان.

فوهة بركان

الترابط بين «باليكاتان» وحرب إيران - حتى لو اقتصر على التزامن - يكشف عن واقع جديد، مفاده أن الأمن العالمي لم يعد مجزأ. فالسلاح الذي يناور في شمال الفلبين هو ذاته الذي يمكّن أمريكا من إنهاء الهدنة على جبهة إيران أو تمديدها.

نحن أمام «صراع إرادات»، حيث تحاول الولايات المتحدة إثبات قدرتها على خوض «حرب شاملة» وإدارة «سلام القوة» في آن واحد، بينما يراقب العالم ما إذا كان هذا الانتشار الواسع هو دليل قوة، أم بداية لعملية «تمدّد استراتيجي زائد» قد تنفجر عند أول احتكاك حقيقي بعد انتهاء الهدنة.

العالم بات أمام مشهد «مترابط عضوياً».. فالمناورات في الشمال الفلبيني صدى عسكري لما يحدث أو قد يحدث في إسلام آباد. واشنطن تحاول إثبات أنها لا تزال تمسك بزمام المبادرة في «لعبة القوى العظمى»، محذرة خصومها من أن التهدئة في جبهة لا تعني الاسترخاء في غيرها من الجبهات.. وستكشف الأيام والأسابيع القادمة إن كانت حسابات البيادر تطابق حسابات الحقول.