محمد القرقاوي: عصر التحولات فرصة تاريخية للحكومات

محمد القرقاوي خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للقمة
محمد القرقاوي خلال كلمته في الجلسة الافتتاحية للقمة

أكد معالي محمد عبدالله القرقاوي، وزير شؤون مجلس الوزراء، رئيس القمة العالمية للحكومات، أن عصر التحولات الذي نعيشه اليوم يمثل فرصة تاريخية للحكومات، وهي فرصة تحتاج إلى حكومات تفهم أن دورها الأول والأخير هو خدمة الإنسان.

 محمد القرقاوي متحدثاً خلال القمة
محمد القرقاوي متحدثاً خلال القمة

رسالة استثنائية ورؤية استراتيجية لاستشراف المستقبل وتشكيل واقع أكثر تقدماً للبشرية

تاريخ البشرية شهد قفزات كبيرة في مفهوم المعرفة وكل قفزة جاءت معها مخاوف

تكلفة تسلسل الجينوم البشري انخفضت من 100 مليون دولار إلى أقل من 600 دولار

5.5 مليارات إنسان متصل بالإنترنت يعني أن كل فرد يعيش وسط العالم يتأثر ويؤثر

وقال معاليه: «نحن اعتدنا أن نسأل عن المستقبل: ماذا ستفعل التكنولوجيا بالاقتصاد، وبالوظائف، وبالخدمات؟... وسؤالي هو: ماذا ستفعل الحكومات بالإنسان بعدما تغيّر الإنسان؟ لأن أخطر ما قد يحدث ليس أن تتأخر الحكومات عن التكنولوجيا، بل أن تتأخر عن الإنسان».

جاء ذلك في كلمة معالي محمد القرقاوي الرئيسية خلال افتتاح أعمال القمة العالمية للحكومات 2026، أمس في دبي.

رؤية سديدة

ورحب معاليه في مستهل كلمته بالمشاركين في القمة التي تنطلق مستلهمة الرؤية السديدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، وبرعاية ومتابعة كريمة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، لتسهم برسالة استثنائية ورؤية استراتيجية تهدف إلى استشراف المستقبل وتشكيل واقع أكثر تقدماً للبشرية من خلال حواراتها الدولية التي تجيب عن الأسئلة المحورية التي ستوجه مسار تطور الإنسان في العقود المقبلة.

وقال معاليه: رغم أن تاريخنا المكتوب كبشر ظهر في آخر 10 ثوانٍ من آخر يوم في عمر الكون، إلا أن التحولات التي حدثت فيه كبيرة جداً، ولكن أكبر تحول في تاريخ البشرية لا يحدث في المختبرات، ولا في المصانع، ولا في مراكز التكنولوجيا، بل يحدث داخل الإنسان نفسه.. نحن اليوم لا نعيش تغيرات صناعية أو تكنولوجية.. نحن نعيش لحظة إعادة تعريف لقدرات الإنسان».

وأضاف معالي محمد القرقاوي أن تاريخ البشرية شهد قفزات كبيرة في مفهوم المعرفة، وكل قفزة جاءت معها مخاوف، وعلى سبيل المثال: حذّر سقراط من الكتابة لأنها، برأيه، قد تُضعف الذاكرة.. لكن التاريخ أثبت شيئاً واحداً، أن البشرية لم تتراجع يوماً بسبب الخوف، بل تقدمت عندما أصبحت جريئة، وتعلمت كيف تتكيف.. أما اليوم فالعالم أمام مرحلة مختلفة تماماً، مرحلة تقاس فيها قدرات الإنسان بما يكتسبه، ويطوره، ويعززه.

مرحلة جديدة

وأكد معاليه: عندما نقول إن الإنسان يدخل مرحلة جديدة، فنحن لا نتحدث عن فكرة نظرية، بل عن أربع قوى تجعل الإنسان اليوم أقرب إلى ما يمكن تسميته إنساناً مُعزَّزاً بقدرات غير مسبوقة، وهي أربع قوى رئيسية تغيّر طبيعة الإنسان نفسه، القوة الأولى هي: ذكاء اصطناعي يضاعف القدرات الذهنية، فالإنسان كان لآلاف السنين يصنع الأدوات، واليوم نحن أمام لحظة مختلفة، يصنع فيها الإنسان أداة تنتج أدوات وتفكر وتحلل وتبني وتتعلم... الذكاء الاصطناعي لم يعد مساعداً، بل شريكاً في التفكير، ومن المتوقع خلال العشر سنوات القادمة أن ترتفع القدرة الحاسوبية للذكاء الاصطناعي بحوالي مليون مرة.

وأضاف معاليه: نقول اليوم إن الذكاء الاصطناعي شريك، لكن كلنا نعرف أن الشراكة قد تكون مؤقتة، ومعها سننتقل من ذكاء يساعد إلى ذكاء يشارك، وربما إلى ذكاء يقرر، وهذا يعني أننا لا نضيف تقنية جديدة إلى حياتنا، بل نضيف مكوناً جديداً إلى بنية الإنسان المعرفية.. طريقة يفكر بها، ويتعلم بها، ويقرر بها.

الطب المتقدم

وقال معالي محمد القرقاوي إن القوة الثانية هي الطب المتقدم الذي يطيل العمر الصحي وليس العمر فقط، فتكلفة تسلسل الجينوم البشري انخفضت من 100 مليون دولار إلى أقل من 600 دولار، وقد تصل إلى أقل من 100 دولار خلال الـ10 سنوات القادمة، وهذا يعني طباً شخصياً، واكتشافاً مبكراً للأمراض قبل ظهورها بسنوات، وقد ارتفع متوسط العمر المتوقع عالمياً بأكثر من الضعف خلال المئة عام الماضية، متسائلاً معاليه: «كم سيتضاعف عمر الإنسان خلال المئة عام القادمة؟ وما تأثير ذلك على الحكومات، وعلى الوظائف وصناديق التقاعد، والمالية العامة؟».

علوم الدماغ

وأضاف معاليه أن القوة الثالثة هي علوم الدماغ التي ستعيد تعريف التعلم والإدراك، فاليوم نحن نعرف عن الكون أكثر مما نعرف عن عقل الإنسان، لكن الاكتشافات القادمة لن تكون في الفضاء، بل ستكون اكتشاف قدرات جديدة في عقل الإنسان نفسه، ومع دخول مرحلة الذكاء المعزز، لن يعمل الذكاء الاصطناعي بدلاً عن العقل البشري، بل سيعمل معه.

وقد أعلنت نيورو-لينك Neuralink، وهي شركة تطور شرائح تُزرع في الدماغ لتمكين التواصل المباشر بين الدماغ والحاسوب، قبل أيام عدة أن لديها 21 مشاركاً في التجارب، وبعضهم يتحكم بالأجهزة بعقله أو بتفكيره.. وكما كان الإنترنت في بداياته مجرد بريد إلكتروني، قد تكون واجهات الدماغ اليوم مجرد البداية، والسؤال هو، هل الاستثمار القادم سيكون في قدرات العقل البشري، كما استثمرنا سابقاً في شبكات الاتصالات؟

البيئات الرقمية

وأشار معالي محمد القرقاوي إلى أن القوة الرابعة هي البيئات الرقمية التي توسع الوجود الإنساني نفسه، فالإنسان انتقل من قرية يعرف فيها الجميع إلى عالم يتزاحم فيه الجميع على انتباهه ووقته ومشاعره، ولم يعد الإنسان مرتبطاً بمكان واحد أو وظيفة واحدة أو هوية واحدة، واليوم هناك أكثر من 5.5 مليارات إنسان متصل بالإنترنت، وهذا يعني أن كل فرد يعيش وسط العالم، يتأثر به، ويؤثر فيه.

وأضاف معاليه أن إيقاع الحياة أيضاً يتغير، فتركيز الإنسان أقصر، وتشتته أكبر، كما يتغير إحساسه بالهوية، حيث لم يعد شخصاً واحداً، بل نسخ متعددة على منصات متعددة.

وأكد معاليه أن هذه القوى الأربع مجتمعة تخلق إنساناً وعقلاً وفكراً مختلفاً عن كل ما شاهدناه خلال الـ 40 ألف سنة الماضية، وقدم معاليه التساؤل الأهم: كيف ستتعامل الحكومات مع هذا الإنسان؟

قدرات خارقة

وقال معالي محمد القرقاوي: «الإنسان اليوم قدراته أصبحت خارقة، إلا أن الحكومات لا تزال تتعامل معه بأدوات الماضي، وبحلول عام 2040، تشير بعض التوقعات إلى أن GenZ يشكل حوالي 40% من القوى العاملة عالمياً، وهو جيل مختلف، نشأ على «الآن»، ويريد الخدمة الآن وتعلماً مستمراً وحياة فيها توازن ومعنى، لا مجرد وظيفة وراتب، كما يؤثر GenZ كقوة ضغط يومية على القرار العام في كل مكان في العالم».

وأكد معاليه أن دور الحكومة في كل مرحلة مفصلية في التاريخ كان يتطور مع تطور الإنسان، فمع الثورة الصناعية، أعادت الحكومات تصميم العمل، ومع عصر الكهرباء، أعادت تصميم البنية التحتية، واليوم، مع تطور الإنسان نفسه، نحن بحاجة إلى إعادة تصميم مفهوم الحكومة بالكامل.

وقدم معالي محمد القرقاوي أمام القمة العالمية للحكومات تساؤلاً جوهرياً: هل الحكومات في العالم اليوم مصممة لإنسان الأمس، أم لإنسان الغد؟ مشيراً معاليه إلى أن دور الحكومة ينتقل في عالم متسارع، من إدارة الواقع إلى تصميم المستقبل، ومن قوانين جامدة إلى تشريعات قابلة للتحديث تلقائياً، ومن مؤسسات مثقلة بالبيروقراطية إلى مؤسسات تخدم الإنسان.

وشدد معاليه على أن التاريخ واضح في هذه النقطة، وفي كل تحول حضاري كبير، هناك حكومات قادت، وحكومات انتظرت، وحكومات اندثرت، والتاريخ لا يتذكر المنتظرين.

4 قوى تعزز قدرات الإنسان:

ذكاء اصطناعي يضاعف القدرات الذهنية حيث يصنع الإنسان أداة تنتج أدوات وتفكر وتحلل وتبني وتتعلم

الطب المتقدم الذي يطيل العمر الصحي وليس العمر فقط وظهور الطب الشخصي والاكتشاف المبكر للأمراض قبل ظهورها بسنوات

علوم الدماغ التي ستعيد تعريف التعلم والإدراك واكتشاف قدرات جديدة في عقل الإنسان

البيئات الرقمية التي توسع الوجود الإنساني نفسه وانتقال الإنسان إلى عالم يتزاحم فيه الجميع على انتباهه ووقته ومشاعره