دبي - نورا الأمير ورحاب حلاوة
أكد مسؤولون وقانونيون ومتخصصون أن ظاهرة «السحر والشعوذة» تشكل خطراً متصاعداً على المجتمع، وحذروا من استغلال ضعف الأفراد لتحقيق مكاسب مادية بطرق مشبوهة، لافتين إلى أن المشرع الإماراتي تعامل بصرامة مع كل من يمارس الشعوذة أو يستغلها، وأقر عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة المالية الكبيرة بحق المتورطين.
وقال خالد أحمد، مدير إدارة عمليات المسافرين فـي جمارك دبـي، إن عمليات السحر والشعوذة تعد آفة خطيرة تهدد أمن وسلامة المجتمع من خلال التلاعب بعقول الناس واستغلال احتياجاتهم فـي عمليات الدجل، وأن الجمارك تقف بالمرصاد لمحاولات تهريب مواد السحر والشعوذة للحد من هذه الآفة وحماية المجتمع.
وأشار إلى نجاح الدائرة فـي إنجاز 8 ضبطيات لمواد تستخدم فـي السحر والشعوذة خلال العام الماضي، تنوعت بين طلاسم وعظام وجلود وصور حيوانات، وقصاصات ورقية وخواتم وعلب تمائم وإبر وسكاكين ومواد سائلة، موضحاً أن إتلاف هذه المواد يتم بالتعاون مع دائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري فـي دبـي.
كما أكد أن جمارك دبي توفر كافة أنواع الدورات التدريبية والتثقيفية لتوعية ضباطها بهذه المواد وأصنافها وأشكالها المختلفة، ولا سيما أن المهربين كثيراً ما يتبعون أساليب جديدة بغرض تضليل السلطات الجمركية، بالإضافة إلـى تزويد المراكز الجمركية فـي الإمارة بأحدث أجهزة الفحص والتفتيش العالمية.
وقال خالد أحمد: جمارك دبي ملتزمة بمسؤوليتها تجاه الوطن وحماية المجتمع من أي مواد قد تضر بأفراده، والتصدي لمحاولات تهريب المواد المحظورة إلى الدولة، ومساهمتها فـي الجهود الحكومية التي تهدف إلـى مكافحة السحرة والمشعوذين.
والحد من تعامل الأفراد معهم، والتصدي للتجارة غير المشروعة بهذه المواد وتسخيرها للإضرار بالأفراد، أو ابتزازهم دون التفكير في عواقب ذلك دينياً وإنسانياً واجتماعياً.
من جانبه، قال المحامي علي الحمادي إن القانون الإماراتي يتعامل مع هذه الأفعال بصرامة ووضوح؛ حيث نص المرسوم بقانون اتحادي رقم 36 لسنة 2022 في المادة 366 على معاقبة كل من يستغل الناس من خلال أعمال الشعوذة أو المخادعة أو الدجل، سواء كانت حقيقية أو خداعاً بمقابل أو بدونه، وتشمل العقوبة الحبس وغرامة لا تقل عن خمسين ألف درهم مع الإبعاد والمصادرة.
موضحاً أن المادة 367 تمتد لتشمل كل من يستعين بمشعوذ أو يروج أو يحوز أدوات أو طلاسم لأعمال السحر بهدف التأثير في بدن الغير أو قلبه أو عقله أو إرادته، بالحبس والغرامة؛ مشيراً إلى أن القانون لا يعاقب الفاعل فقط، بل كل من يسهم في هذه الجرائم.
قصة من أروقة المحاكم
وسرد المحامي الحمادي من واقع عمله في المجال القانوني، قصة تبرز خطورة ممارسات الدجل والشعوذة؛ مشيراً إلى دفع سيدة مبالغ مالية لرجل وعدها بإعادة زوجها المنفصل، حيث كانت تتبع تعليماته الغريبة يومياً، بدءاً من دفن أوراق تحت وسادتها، إلى ترديد عبارات معينة.
وأوضح أن المقربين منها لاحظوا تدهور حالتها النفسية وتصرفاتها الغريبة، قبل إبلاغ الشرطة التي داهمت منزلها وضبطت أدوات وطلاسم ورسائل ومبالغ مالية كانت تُستخدم في تنفيذ تلك الطقوس، وتمت إحالة السيدة والرجل المذكور إلى القضاء وحُكم عليهما بالسجن.
وشدد المحامي علي الحمادي على أن اللجوء إلى السحر ليس مخرجاً، بل منزلقاً خطيراً نحو التورط في الجريمة وفقدان السيطرة، حيث يفتح من يلجأ إليه، باباً لا يغلق بسهولة، ويسلم نفسه لأوهام لا تعالج وجعاً ولا ترد غائباً.
وختم قائلاً: القانون الإماراتي لا يعاقب عبثاً، بل يحمي المجتمع ممن يستغل حاجات الناس وضعفهم، ويعيد التوازن، فالوعي هو الوقاية الأفضل.
من جانبه، قال المحامي محمد عبدالله الرضا، إن القانون الاتحادي يُعزز من صرامة الإجراءات بحق من يمارس السحر والشعوذة، لما لهما من تأثير سلبي على سلامة الأفراد والمجتمع.
وأوضح أن المادة (366) من قانون الجرائم والعقوبات رقم (31) لسنة 2021 تنص بوضوح على معاقبة كل من يرتكب عملاً من أعمال المخادعة أو الشعوذة أو الدجل، سواء كان ذلك بنية استغلال الآخرين أو الإضرار بهم، سواء بمقابل مادي أو بدونه.
وشملت المادة توضيحاً مفصلاً لأساليب التعامل التي تُعد من أدوات التأثير في عقول وقلوب الأفراد، مثل استخدام الأفعال والأقوال غير المقبولة عقلياً والتمويه على أعين الناس.
توسيع نطاق التجريم
وأضاف المحامي الرضا أن المشرع لم يكتفِ بتجريم من يمارس السحر فعلياً، بل وسع نطاق التجريم ليشمل من يتعامل مع أدوات أو طلاسم مخصصة لأعمال المخادعة، وحتى إن لم يستخدم بنفسه، ونص على عقوبات صارمة بحق من يستعين بغيره أو يروج لهذه الأعمال بأي وسيلة، مؤكداً تشديد العقوبات في حال ارتكاب الجريمة ضد طفل أو شخص من أصحاب الهمم.
وأشار الرضا إلى أن الهدف الأساسي من تجريم السحر والشعوذة هو حماية الأفراد من الاستغلال النفسي والمادي ومنع الوقوع في خداع يستغل فيه الضعف والجهل لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
ودعا أفراد المجتمع إلى التبليغ عن أي ممارسات مشبوهة سواء كانت مباشرة أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكداً أن كل من يتعاون أو يتعامل مع المشعوذين يعد شريكاً في الجريمة.
حلول زائفة
بدورها، أكّدت الاختصاصية الاجتماعية هبة محمد عبدالرحمن أن الاستعانة بالمشعوذين والسحرة ظاهرة منتشرة في مختلف المجتمعات، وأن انتشارها لا يرتبط بحالة اجتماعية أو ثقافية معينة، بل يعتمد على عوامل عدة تتعلق بالبنية النفسية والاجتماعية للأفراد.
وقالت إن ضعف الوازع الديني لدى بعض الأفراد يجعلهم يتأثرون بسهولة بأفكار جماعات تسعى لتحقيق رغباتهم وآمالهم الشخصية، دون أن يدركوا المخاطر التي قد تنجم عن اتباع مثل هذه الأفكار، حيث يقعون في شرك وعود زائفة تُقدم لهم حلولاً سريعة لمشاكلهم، على سبيل المثال من خلال اللجوء إلى المشعوذين.
وحذرت من أن اللجوء إلى مثل هذه الحلول غير المشروعة قد يؤدي في النهاية إلى مزيد من الضياع والتدهور النفسي والاجتماعي، مؤكدة أن هذا المسار يستغل ضعف البناء النفسي للفرد ومعاناته من صعوبات اجتماعية ونفسية، كما نوهت بأن الجهل بأساليب الرقية والدعاء والصبر على الابتلاءات يشكل عاملاً مساهماً في تعزيز هذا السلوك الخطير.
وأوضحت أن هذه المشكلة تتفاقم عندما ينضم الأفراد الذين يعانون من نفس المشكلات إلى دوائر اجتماعية تجمعهم مع أصدقاء يحملون نفس التوجه، ما يزيد من انتشار هذه الظاهرة بشكل ملحوظ.
وأكدت ضرورة دعم الأفراد وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على مواجهة التحديات عبر الاستعانة بالمتخصصين ورجال الدين، وأن التواصل مع الجهات المختصة له دور محوري في رفع مستوى الوعي والمعرفة لدى الفرد في ما يخص التعامل مع هذه القضايا، داعيةً المؤسسات التربوية والأسرية إلى تكثيف جهودها في تنمية القيم الدينية والأخلاقية لدى الجيل الصاعد.
حيث يجب أن تبدأ الأسر منذ نشأة أبنائها بدعم ثقتهم بأنفسهم وتعزيز علاقتهم بالله تعالى وترسيخ مبادئ الفضيلة والقيم الرفيعة في حياتهم، وذلك كخطوة أساسية للوقاية من الانجراف نحو مسارات تؤدي إلى ضياع الذات.
أحمد الحداد: السحر محرّم شرعاً
قال فضيلة الشيخ أحمد الحداد، كبير مفتين مدير إدارة الإفتاء بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري بدبي، إن عمل السحر محرّم شرعاً، ومن فعله معتقداً حِلَّه فقد كفر، مستشهداً بقول الله تعالى على لسان الملائكة:
((إنّما نحن فتنة فلا تكفر))، وبحديث النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذي عدّ فيه السحر من السبع الموبقات، وقرنه بالشرك بالله تعالى، حيث قال صلى الله عليه وسلم: ((اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هنّ؟
قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرّم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)).
وأوضح الدكتور الحداد أن السحرة يخترعون وسائل متعدّدة لإدخال أدواتهم إلى البلاد، من بينها جلود الحيوانات، والطلاسم المكتوبة، وبعض المواد السائلة، في محاولات لخداع رجال المنافذ، إلا أن هؤلاء الرجال – حفظهم الله – يقظون لا تفوتهم تلك الحيل، فيقعون على تلك المحاولات ويضبطونها، ويُحاسَب كل من يُدخل تلك المواد سواء كان هو الفاعل أو من تم التغرير به.
وشدّد فضيلته على أن الواجب على السحرة أن يتقوا الله ويتوبوا إليه، وألا يؤذوا الناس، فإن أذى المؤمنين والمؤمنات بغير وجه حق يُعد بهتاناً وإثماً مبيناً، كما يجب على من يذهب إلى السحرة ويطلب منهم الضر أو النفع أن يكفّ عن ذلك، لأن من أتى كاهناً أو ساحراً فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
كما جاء في الحديث الشريف، وختم الحداد تصريحه بالتأكيد أن المسلم ينبغي أن يتقي الله، ويجتنب ما حرّمه عليه، وأن يعلم يقيناً أن لا نافع ولا ضار إلا الله تعالى وحده.
