في مشهد تبدو فيه حياة المراهقين طبيعية ومفعمة بالحيوية والتفاعل، تتخفى وراء هذا الهدوء ظاهرة نفسية متنامية، تُعرف بـ«القلق الصامت»، حالة لا تعلن عن نفسها بوضوح، ولا تجد طريقها دائماً إلى الكلمات، لكنها تترك بصمات عميقة على السلوك والتوازن النفسي، وبين ضغوط الدراسة، وتسارع التأثيرات الرقمية، وتحديات البيئة الأسرية، يبرز هذا النوع من القلق، كأحد أكثر التحديات الخفية تعقيداً.
وأكد عدد من الأطباء والمختصين في الصحة النفسية، أن «القلق الصامت» لدى المراهقين لم يعد حالة عابرة، بل ظاهرة متصاعدة، تستدعي وعياً أكبر، ومقاربة أكثر عمقاً، مؤكدين أن «القلق الصامت» لا يظهر في صورة مباشرة، بل يتسلل عبر مؤشرات سلوكية غير واضحة، قد تمر دون انتباه، ما يزيد من خطورته، ويؤخر اكتشافه، ومشددين على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تكاملاً فعالاً بين الأسرة والمدرسة والتدخل المتخصص، لضمان احتوائها مبكراً، قبل أن تتطور إلى اضطرابات نفسية أكثر تعقيداً.
وأوضحت الدكتورة مهرة آل مالك اختصاصي العلاج النفسي والأسري في مؤسسة الإمارات للخدمات الصحية، وأستاذ مساعد بجامعة عجمان، أن «القلق الصامت» يمثل جانباً خفياً من الصحة النفسية، يتطلب تأطيراً علمياً دقيقاً، بعيداً عن التبسيط أو التهويل.
وأشارت إلى أن القلق في جوهره استجابة طبيعية، تؤدي دوراً تكيفياً، لكنه يتحول إلى اضطراب، عندما يصبح مفرطاً ومستمراً، ويؤثر في الأداء اليومي، حيث يشكل «الاختلال الوظيفي»، الفارق بين الطبيعي والمرضي، مشيرة إلى أن دراسة في أبوظبي، أظهرت ارتباط ضعف العلاقات الأسرية والاجتماعية والشعور بالعزلة، بارتفاع معدلات الاكتئاب لدى المراهقين.
وأضافت أن القلق لدى هذه الفئة، لا يُعبَّر عنه غالباً بشكل مباشر، بل يظهر عبر مؤشرات غير لفظية، مثل الانسحاب الاجتماعي، التهيج، اضطرابات النوم أو الإفراط في استخدام الأجهزة، وهي ما تصفه الدراسات بـ «الآثار السلوكية الخفية»، مشيرة إلى أن طبيعة المرحلة العمرية، المرتبطة بإعادة تشكيل الهوية، تجعل المراهق أكثر حساسية للحكم الاجتماعي، وأقل ميلاً للإفصاح، فيما تؤثر جودة العلاقة مع الوالدين وأنماط التعلق بشكل مباشر في مستوى القلق والاكتئاب.
وأوضح الدكتور أحمد سعيد مدير مراكز تأهيل وتدريب الأطفال بالإمارات، أن «القلق الصامت» يعد من أخطر التحديات النفسية التي تواجه طلبة المدارس، لكونه لا يظهر في صورته التقليدية، بل يتسلل بهدوء إلى نفسية المراهق، ويظهر لاحقاً في سلوكيات قد يُساء تفسيرها، مشيراً إلى أن القلق غير المُعبر عنه، قد يحول الطالب النشيط إلى شخص منسحب، أو يدفع الطالب المتفوق إلى الكمالية المفرطة، والخوف من الخطأ، ما يضعه تحت ضغط نفسي مستمر.
وأشار إلى أن هناك مؤشرات خفية تستدعي الانتباه، مثل تجنب المشاركة الصفية رغم الكفاءة، والتوتر المبالغ فيه قبل الاختبارات، والتفكير الزائد والخوف من الفشل، إلى جانب اضطرابات النوم أو الشكاوى الجسدية والحساسية تجاه النقد، وهي علامات قد تمر دون ملاحظة، في حال استمرار التفوق الدراسي.
وأكد أن البيئة المدرسية قد تلعب دوراً مزدوجاً بين الدعم والضغط، مشدداً على أن المشكلة تكمن في غياب التوازن بين التحصيل والصحة النفسية، وضرورة التمييز بين الاجتهاد الصحي والقلق المرضي، مشيراً إلى أهمية دور المرشد التربوي في الاكتشاف المبكر، محذراً من أن تجاهل المؤشرات قد يقود إلى تراجع تقدير الذات أو الاكتئاب، ومشدداً على تكامل دور الأسرة والمدرسة.
صوت خافت
وأكدت الدكتورة أمينة عبدالله الماجد مؤسس ورئيس جمعية المرأة سند للوطن، أن القلق لدى المراهقين غالباً ما يظهر «بصوت خافت»، ما يجعله أكثر خطورة وصعوبة في الاكتشاف المبكر، حيث إن هناك مؤشرات سلوكية دقيقة ينبغي على الأسرة الانتباه لها، أبرزها التغير المفاجئ في المزاج، كالعزلة أو العصبية أو الصمت غير المعتاد، وفقدان الشغف بالأنشطة المفضلة، واضطرابات النوم أو الشهية، إلى جانب الانسحاب من الأسرة والأصدقاء، وتراجع الأداء الدراسي دون مبررات واضحة، مؤكدة أن «التغير البسيط المستمر، هو جرس إنذار لا ينبغي تجاهله».
وأشارت إلى أن بعض الممارسات التربوية اليومية، قد تسهم في تفاقم القلق دون قصد، مثل التقليل من مشاعر الأبناء، والسخرية، والمقارنة المستمرة، والضغط نحو الكمال، إضافة إلى النقد المتكرر، وغياب التعزيز الإيجابي، وفرض القرارات دون حوار، موضحة أن هذه الأساليب تزرع الخوف من الخطأ، وتعزز القلق بدلاً من بناء شخصية متوازنة.
وأكدت أن غياب الحوار داخل الأسرة، يعد من أخطر العوامل غير المرئية، إذ يحول المنزل إلى بيئة صامتة مثقلة بالمشاعر المكبوتة، ما يدفع المراهق إلى الانسحاب أو كبت مشاعره.
وأوضحت الدكتورة ليلى عادل اختصاصية الطب النفسي، أن حياة المراهقين قد تبدو مستقرة ظاهرياً، لكنها تخفي في كثير من الأحيان قلقاً غير معلن، قد يتطور إلى اضطرابات أكثر خطورة، مثل الاكتئاب أو السلوكيات المؤذية للذات، مشيرة إلى أن هذا القلق يتمثل في توتر داخلي مستمر، لا يجد المراهق وسيلة للتعبير عنه، وغالباً ما يظهر لدى الشخصيات الهادئة أو المتفوقة التي تعيش تحت ضغط نفسي غير مرئي.
وأضافت أن القلق الصامت يظهر عبر علامات غير مباشرة، مثل الكمالية المفرطة، والخوف من الخطأ، والإفراط في التفكير، وتجنب التحديات، إلى جانب العزلة أو الإرهاق غير المبرر، وهي مؤشرات قد تُفسَّر خطأ، مؤكدة أن وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في تعميق هذه الحالة، عبر المقارنات المستمرة، والضغوط الرقمية.
