الصمت العقابي عنف بلا ضجيج يهدد استقرار الأسرة

تحقيق - ريد السويدي وسارة الكواري

لم تُعد الخلافات الزوجية تدار دائماً عبر النقاش أو العتاب، بل أصبح الصمت في بعض العلاقات وسيلة لحسم النزاع، ومع انتشار ما يعرف بـ «الصمت العقابي»، وهو التجاهل المتعمد للطرف الآخر، أو الامتناع عن التواصل معه كوسيلة للضغط أو العقاب، يبرز تساؤل جوهري: متى يكون الصمت مساحة طبيعية لتهدئة المشاعر، ومتى يتحول إلى أداة عنف نفسي صامت داخل العلاقة؟

الحكمة الشائعة تقول إن «الكلام من فضة والسكوت من ذهب»، ولكن الصمت في العلاقات الزوجية لا يكون دائماً محموداً، فحين تترك الخلافات دون حوار، لا تختفي المشكلات، بل تتراكم بصمت، وقد تتحول مع الوقت إلى مسافات عاطفية يصعب تجاوزها.

الصمت قد يكون أحياناً هدنة مؤقتة تمنح الطرفين فرصة للهدوء والتفكير، لكنه يتحول إلى صمت عقابي، عندما يطول أمده، أو يتكرر كوسيلة للضغط والتجاهل، ورغم هدوئه الظاهري، فإنه قد يترك أثراً عميقاً في العلاقة، إذ يضعف جسور التواصل، ويحدث شرخاً تدريجياً في مشاعر المودة، وقد يقود في بعض الحالات إلى ما يعرف بالطلاق العاطفي، لأن الزواج في جوهره علاقة تقوم على الحوار والتفاهم، لا على الانسحاب أو التجاهل، وكلما غاب الحوار، اتسعت المسافة بين الزوجين، وتحول الصمت من لحظة هدوء عابرة، إلى جدار صامت يهدد استقرار العلاقة. «البيان» سلطت الضوء على آثار الصمت العقابي في العلاقة الزوجية، وناقشت الطريقة الأمثل لإدارة الخلافات مع المختصين، وعدد من فئات المجتمع، لبيان أسباب اللجوء للصمت العقابي في إدارة الخلافات، وإبراز مشاعر المتلقي والآثار الممتدة على بقية أفراد الأسرة. هل يمكن استخدام الصمت كوسيلة إيجابية لحل الخلافات؟ وهل من الممكن أن يسهم في خلق فجوة أو تهدئة الأوضاع؟

في هذا السياق، أوضحت الدكتورة أمل سالم باصهيب، الأستاذ المساعد بكلية العلوم الإنسانية والباحثة في مجال الأسرة والمجتمع، أن الصمت العقابي هو امتناع أحد الزوجين عن التواصل اللفظي والعاطفي مع الطرف الآخر، بقصد العقاب أو الضغط النفسي، لا بقصد التهدئة أو التفكير.

وقالت: «يتجسد الصمت العقابي في تجاهل متعمد، أو انسحاب كامل من الحوار، أو برود واضح دون تفسير، ويتحول إلى سلوك مؤذٍ عندما يطول، فيضع الطرف الآخر في حالة ترقب وقلق، ويؤدي إلى ضعف الشعور بالأمان داخل العلاقة». وأضافت أن الصمت العقابي من أكثر السلوكيات التي تفاقم الخلافات بهدوء دون ضوضاء، فهو لا يحل المشكلة، بل يؤجلها ويراكمها.

وأشارت إلى أبحاث عالم العلاقات الزوجية جون غوتمان، التي كشفت أن العلاقات التي يسودها التجاهل والصمت المزمن، ترتفع احتمالية فشلها بنسبة تصل إلى 80 %، مقارنة بالعلاقات التي تحافظ على التواصل، مؤكدة أن «كثيراً من حالات الطلاق تبدأ بسكوت طويل، لا بخلاف صاخب».

وبيّنت أن الصمت غالباً ما يظهر في السنوات الأولى، نتيجة ضعف مهارات الحوار، ويبرز في المراحل المتوسطة من الزواج مع تراكم الضغوط الحياتية، وقد يظهر بعد سنوات طويلة، حين يشعر أحد الطرفين بالإحباط أو العجز عن التعبير، فينسحب بصمت بدلاً من المواجهة. وعزت ذلك إلى التنشئة في بيئات لا تشجع على التعبير عن المشاعر، والخوف من المواجهة، وضعف مهارات التواصل، إضافة إلى الاعتقاد الخاطئ بأن الصمت دليل قوة أو نضج.

آثار نفسية

من جهتها، أوضحت دكتورة القيادة الذكية التربوية والذكاء العاطفي، مايا الهواري، أن الصمت العقابي له آثار سلبية، إذ يسهم في تحطيم صورة الذات لدى الشخص المتلقي، فيشعر بالإهانة وانعدام القيمة. وقالت: «اتباع هذا الأسلوب يوصل رسالة للطرف الآخر بأنه لا قيمة له، ما يكسره داخلياً، ويفقده الرغبة في التعبير والمشاركة. هذه ليست علاقة شراكة، وإنما إهانات مستمرة».

وأضافت أن الصمت العقابي قد يندرج تحت العنف النفسي، وهو من أشد أنواعه، إذ يشعر الشخص بأنه «نكرة»، ويعيش حالة من الحزن وعدم الارتياح، لافتة إلى وجود نوعين من الأشخاص عند مواجهة الصمت العقابي، فبعضهم يتحمل العلاقة، رغم أذاها، لشعوره بالحاجة أو التعلق، بينما يشعر آخرون بالقلق وفقدان السند والقيمة، ما يؤدي إلى تآكل العلاقة تدريجياً. وذكرت أن الصمت قد يصدر من الرجل والمرأة، إلا أن المرأة غالباً ما يكون صمتها محدود المدة، بينما صمت الرجل قد يكون أكثر تأثيراً في العلاقة، لما يحمله من رمزية وقوة حضور، مشيرة إلى أن الوصول إلى نقطة الانفجار قد يدفع أحد الطرفين للبحث عن مهرب أو متنفس خارج إطار الحوار.

وأوضحت أن الحياة الزوجية لا تخلو من الخلافات، فهي جزء طبيعي منها، لكن طريقة إدارتها هي ما يحدد إن كانت ستقوي العلاقة أم تضعفها.

سلاح ذو حدين

من جانبها، وصفت الدكتورة بشرى أحمد العكايشي الصمت في العلاقة الزوجية بأنه «سلاح ذو حدين»، فقد يكون جسراً للهدوء إذا أُحسن استخدامه، وقد يتحول إلى جدار صامت، يهدم العلاقة ببطء إذا طال أمده.

وأكدت أن أفضل طريقة لحل الخلاف عند اشتداده، هي إيقاف التصعيد أولاً، ثم العودة للحوار في وقت مناسب، لأن النقاش في ذروة الانفعال يكون غير مثمر، وقد يتحول إلى تبادل اتهامات، بدلاً من البحث عن حلول. وأوضحت أن التهدئة المؤقتة، يعقبها حوار قائم على الاستماع المتبادل واحترام المشاعر، تفتح المجال لفهم أعمق للمشكلة.

وأضافت «لا يقتصر الأثر على الزوجين فقط، وإنما يمتد للأطفال أيضاً، فبطبيعة الحال، يولد الطفل ذكياً عاطفياً، حتى لو لم يسمع صراخاً، هو يحس بطاقة التوتر، وثقل الصمت في البيت، ما يخلق عنده حالة من القلق المستمر وعدم الأمان، لأن الملاذ الآمن «البيت» تحول إلى ساحة حرب باردة.

وأيدتها في ذلك الدكتورة نورة الزعابي، مدربة علاقات التي قالت، إن الطفل قد يطور عقدة الذنب، وهو أخطر شيء، حيث إن الطفل -بسبب محدودية تفكيره- غالباً ما يفسر صمت والديه وغضبهم المكتوم، على أنه بسببه هو، فيبدأ بلوم نفسه، وهذا يهدم تقديره لذاته، فعندما يرون والديهم يهربون من المشاكل بالصمت والتجاهل، ينشؤون مفتقدين لمهارات حل النزاع والتفاوض، وغالباً يكررون نفس النمط الصامت مع أزواجهم في المستقبل.

وقالت الزعابي: «الصمت يعلم الطفل أن الحب مشروط، وأن الانسحاب هو الحل، وهذا درس مدمر لذكائه الاجتماعي والعاطفي».

بدورها، ترى رقية الكتبي أن الصمت قد يبني وقد يهدم في آن واحد، لذلك يحتاج إلى ذكاء في استخدامه، فعند اشتداد غضب أحد الطرفين، قد يكون الصمت وسيلة لامتصاص الانفعال مؤقتاً، لكن لا بد لاحقاً من طرح القضية ومناقشتها بهدوء.

وأضافت أن التجاهل سلوك مذموم، لأن تجاهل المواقف أو المشاعر، قد يؤدي إلى انفجار مؤجل، كما أن توقع أن يفهم الشريك دون حديث يسهم في تعميق المشكلة.

وقالت: «يجب أن يكون الصمت حلاً لا مشكلة، تحويله إلى أداة للعقاب يضر بالعلاقة بشكل كبير، وقد يدفع الطرف الآخر إلى تبنّي السلوك نفسه».

آراء مجتمعية

ترى شهد الحمادي أن الصمت بقصد التجاهل، قد يكون فعالاً في توافه الأمور، لتجنب التصعيد، كما أن الصمت المؤقت يمنح الطرفين مساحة للتفكير والحوار الهادئ، لكنها حذرت من التراكمات، إذ قد يتحول الصمت إلى «قنبلة موقوتة»، عندما يتجاوز الحد المعقول، فينفجر أحد الطرفين، مستحضراً مواقف سابقة تم تجاهلها، كما قد يُفسر التجاهل على أنه عدم اهتمام بالعلاقة. وأضافت أن الحوار الفوري قد يكون فعالاً، لكنه يفشل إذا لم يمتلك أحد الطرفين مهارات امتصاص الغضب، أو لم يكن مستعداً للنقاش. من جانبه، يرى شريف أبو شادي أن الصمت العقابي يؤدي إلى برود العلاقة، وليس بالضرورة برود المشكلة نفسها، مشيراً إلى أن برود العلاقة قد يكون بداية النهاية. وأوضح أن المشاعر الإيجابية تتحول تدريجياً إلى جفاء، ما يزيد من فرص اتساع الخلافات، مؤكداً أن الحل يكمن في الحوار الإيجابي القائم على التنازلات وإعمال العقل، انطلاقاً من أن الخلافات جزء من الحياة، وليست نهايتها. وشدد على أن الصمت مرفوض تماماً، إلا إذا كان مؤقتاً، بهدف تهدئة الخلاف.