أكد مواطنون ومواطنات أن «الزوارة» الأسبوعية تعد جزءاً أساسياً من الحياة العائلية في المجتمع الإماراتي، فهي ميثاق محبة يتجدد كل جمعة، وعادة تعزز الترابط الأسري في ظل متغيرات الحياة المعاصرة. ورغم ما يفرضه الإيقاع اليومي المتسارع من ضغوط عملية والتزامات متزايدة، يظل التمسك بالاجتماع في «بيت العود» بيت العائلة الذي تفوح فيه رائحة العود والبخور لتبادل الأخبار ومناقشة شؤون الحياة اليومية، فرصة للحفاظ على الروابط بين الأجيال وتعزيز المحبة والترابط الأسري.
صلة الحنين
وقالت خديجة راشد العبدولي: إن «الزوارة» الأسبوعية في المجتمع الإماراتي تعد أكثر من مجرد تجمع عائلي عابر، بل هي طقس اجتماعي مقدس يضرب بجذوره في عمق الهوية الوطنية، حيث يتجسد هذا المشهد في «بيت العود» الذي تفوح منه رائحة العود واللبان وتتعالى فيه أصوات الضحكات بمجرد انتهاء صلاة الجمعة، في مشهد يبدأ باستقبال الجد والجدة للأبناء والأحفاد بوجوه مستبشرة ودلال قهوة لا تنطفئ نارها، وبينما يلتف الجميع حول «سفرة المجبوس» التقليدية، تتداخل الأحاديث بين ذكريات «أيام لول» وتفاصيل الحياة العصرية المزدحمة، إلا أن هذه الظاهرة تواجه اليوم تحديات ملموسة تتمثل في الازدواجية بين الحضور الجسدي والغياب الذهني الناتج عن سطوة الهواتف الذكية وتطبيقات التواصل الاجتماعي التي خلقت جداراً غير مرئي بين الأجيال.
وأوضحت أنه بينما يحاول كبار السن مد جسور التواصل بسرد القصص والتجارب، ينشغل الشباب أحياناً بتوثيق اللحظة عبر «سناب شات» بدلاً من عيش تفاصيلها الحقيقية، ومع ذلك يبقى هذا التجمع في عائلتي «محطة شحن» روحية لا غنى عنها، فرغم تحول «الفوالة» من الأطباق المنزلية البسيطة إلى الحلويات الحديثة المبتكرة، ورغم أن الغياب صار أحياناً مبرراً بضغوط العمل، إلا أن الالتزام بهذا الموعد يظل صمام الأمان الذي يحمي الأسرة من العزلة الاجتماعية.
ومن جانبها، استرجعت الوالدة عائشة سعيد الماضي، مؤكدة أن تجمعات «الجمعة» لم تكن مجرد موعد، بل كانت واجباً أساسياً لصلة الرحم وتفقد أحوال الجميع. وترى أن بركة البيت تكمن في اجتماع أهله، مشيرة إلى أن تقصير البعض في الحضور بسبب ضغوط الحياة يؤدي إلى جفاء المشاعر وفقدان دفء العلاقات الذي تربى عليه أهل الإمارات. مشددة على ضرورة غرس قيمة الاحترام والمحبة في نفوس الأجيال الجديدة.
وتضيف أن هذه اللقاءات لم تكن مقتصرة على فئة معينة، بل كانت تجمع كل الأجيال من الجد إلى الأحفاد، ما جعلها وسيلة لتقوية الروابط. وترى عائشة أن ضغوط العمل والانشغالات المتزايدة في الوقت الراهن لا تبرر التقصير في هذا الواجب الاجتماعي، مشيرة إلى أن غياب الأبناء عن «بيت العود» يؤدي تدريجياً إلى فقدان جزء من تماسك الأسرة وهيبتها. وشددت على ضرورة تخصيص وقت منتظم للقاء مهما تغيرت ظروف الحياة، معتبرة أن المحبة والاحترام المتبادل هما الأساس لاستمرار هذا التقليد، وأن التمسك بـ «الزوارة» هو حماية للأبناء أنفسهم من التفكك وضمان لبقاء صلة الرحم قائمة بين الأجيال القادمة.
أولوية قصوى
بدوره، يرى أحمد علي الطياري أن واقع التجمعات العائلية اليوم يشهد تفاوتاً ملحوظاً في درجات الالتزام، فبينما توجد عائلات لا تزال تحافظ على اجتماعها الأسبوعي كواجب ثابت لا يُمس رغم ضغوط الحياة، انشغلت عائلات أخرى لدرجة حصر العلاقة في التواصل الهاتفي فقط. موضحاً أن اللقاءات الأسرية في الوقت الراهن ليست أضعف من حيث الجوهر، بقدر ما أصبحت أقل انتظاماً عند البعض نتيجة المتغيرات المعاصرة.
ومن جهة أخرى، ترى دلال سهيل أن التجمعات العائلية تمثل كسراً للروتين اليومي، ومتعة خاصة تكمن في تبادل الأحاديث مع أبناء عمومتها، حيث تجتمع العائلة كل يوم سبت في منزل الجدة، الذي يمتلئ بالجميع، ويقضون يوماً كاملاً في أجواء من الألفة والترابط.


