حذّر أكاديميون ومختصون من مخاطر استخدام الأطفال دون سن 16 عاماً لمنصات التواصل الاجتماعي، وأكدوا لـ«البيان»، أن هذه المنصات باتت قناة رئيسية لانتشار عادات وسلوكيات دخيلة لا تنسجم مع القيم المجتمعية، إلى جانب تأثيراتها السلبية على التكوين النفسي والفكري للأطفال.
ودعوا إلى تنظيم استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي بقرارات واضحة، إلى جانب تعزيز دور الأسرة والمدرسة في التوعية الرقمية، وتبني برامج تعليمية تركز على الاستخدام الآمن والمسؤول للتكنولوجيا، بما يضمن حماية الأطفال دون حرمانهم من الاستفادة الإيجابية من الفضاء الرقمي.
وشددوا على أن أخطر ما في الأمر هو تطبيع سلوكيات غير مناسبة عبر التكرار والمشاهدة المستمرة، معتبرين أن غياب الرقابة أو التنظيم يجعل الطفل عرضة للتأثر بمؤثرين ومحتوى لا يراعي الخصوصية الثقافية أو الأخلاقية لمجتمعاتنا.
أدوات مؤثرة
وقال الدكتور جاسم آل علي أستاذ مساعد في إدارة الموارد البشرية بكلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية: إن منصات التواصل لم تعد مجرد وسائل ترفيه، بل أصبحت أدوات مؤثرة في تشكيل الهوية، لافتاً إلى أن تعرض الأطفال لمحتوى يتعارض مع ثقافة المجتمع يسهم في إضعاف الانتماء الأسري، ويوجد فجوة فكرية وسلوكية بين الأبناء وبيئتهم الاجتماعية.
وأضاف: إن الاستخدام المبكر والمفرط للتواصل الاجتماعي يرتبط بعدد من الاضطرابات النفسية، مثل القلق، وتدني تقدير الذات، واضطرابات النوم، إضافة إلى الميل للعزلة أو السلوك العدواني، موضحاً أن الأطفال يتأثرون بالمقارنات غير الواقعية والصور النمطية المنتشرة عبر هذه المنصات.
ضوابط واضحة
من ناحيتها قالت الدكتورة لطيفة الحمادي الأستاذ المشارك في جامعة الوصل بدبي: إن السماح للأطفال باستخدام منصات التواصل دون ضوابط واضحة يفتح الباب أمام محتوى غير مناسب لمرحلتهم العمرية، ويؤدي إلى تشوه في منظومة القيم، وتقليد أنماط سلوكية دخيلة يتم الترويج لها على أنها طبيعية أو عصرية، مشيرة إلى أن الطفل في هذه المرحلة لا يمتلك بعد أدوات التمييز والنقد الكافي.
وقالت الدكتورة مينو ماثيوز رئيسة قسم علم النفس في جامعة هيريوت وات دبي: إن تشديد القواعد المتعلقة باستخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي يمثل استجابة للتحديات التي يفرضها التفاعل الرقمي بين الأطفال، بهدف تعزيز حماية الطفل على الإنترنت ووضع إطار وطني منظم قائم على تقييم المخاطر لتنظيم الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي وتعزيز تدابير السلامة الرقمية.
وأكدت، أن هناك أدلة قوية تربط بين الاستخدام المفرط أو غير المنظم لوسائل التواصل الاجتماعي والنتائج السلبية لدى الأطفال والمراهقين، حيث أظهرت الأبحاث وجود علاقة بين الاستخدام المتكرر لوسائل التواصل الاجتماعي وتفاقم أعراض القلق والاكتئاب باستمرار، فضلاً عن اضطرابات النوم وتدني تقدير الذات. وأشارت إلى وجود ارتباطات قوية بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وزيادة أعراض الاكتئاب والقلق لدى الشباب.
حساسية معرفية
وقالت: إنه على الرغم مما توفره وسائل التواصل الاجتماعي من فوائد في تعزيز التواصل الاجتماعي وفرص التعلم، إلا أن حساسية الأطفال المعرفية والعاطفية تستلزم منح الأولوية للتفاعل الآمن والمناسب لأعمارهم عبر توفير آليات توضح مسؤوليات استخدام المنصات، وتدعم الأسر بأدوات عملية، وتدمج الخبرات النفسية في المناهج التعليمية.
في المقابل أكدت فاطمة دعدوش، تربوية، أن منصات التواصل الاجتماعي تنطوي على أخطار كبيرة، مشيرة إلى أن الطفل في هذه المرحلة لا يزال في طور تكوين وعيه وشخصيته، ما يجعله أكثر عرضة للتأثر بالمحتوى غير المناسب أو بالعادات والسلوكيات الدخيلة المنتشرة عبر هذه المنصات، موضحة أن هذه العادات قد تظهر في تقليد أنماط ثقافية أو سلوكيات لا تتوافق مع القيم والتقاليد المحلية، إلى جانب الاهتمام المفرط بالمظاهر والرفاهية، حيث قد يترسخ لدى الطفل اعتقاد بأن قيمة الإنسان مرتبطة بالمظهر أو الممتلكات.
كما لفتت إلى مظاهر أخرى مقلقة، مثل ضعف استخدام اللغة العربية ومشاركة الخصوصيات العائلية عبر المنصات الرقمية.
مشددة على أن أبرز هذه الأخطار التقليد الأعمى لبعض السلوكيات الخاطئة، والتأثيرات النفسية الناتجة عن المقارنات المستمرة مع الآخرين، والتي قد تؤدي إلى تراجع الثقة بالنفس أو الشعور بالقلق، وهو ما ينعكس سلباً على التحصيل الدراسي والعلاقات الاجتماعية.
عادات دخيلة
من ناحيتها حذرت دينا شرف، تربوية، من التوسع في استخدام الأطفال دون سن الـ 16 لمنصات التواصل الاجتماعي، لما لذلك من آثار نفسية وسلوكية قد تمتد لسنوات لاحقة. خصوصاً في ظل الانتشار السريع لعادات وسلوكيات دخيلة عبر هذه المنصات، قد لا تتوافق مع قيم المجتمع أو مع المرحلة العمرية للطفل.
وأشارت إلى أن الأطفال في هذا العمر لا يمتلكون بعد القدرة الكافية على التمييز بين المحتوى الهادف والمحتوى المضلل أو غير المناسب، ما يجعلهم أكثر عرضة لتقليد تصرفات منتشرة بدافع التقليد والرغبة في الاندماج مع أقرانهم. وأضافت: إن بعض «الترندات» والتحديات المنتشرة قد تحمل رسائل سلبية أو تشجع على سلوكيات خطرة، دون أن يدرك الطفل أبعادها الحقيقية.
وأكدت دينا أن تكرار التعرض لمثل هذه المحتويات يسهم في تطبيع بعض السلوكيات غير المقبولة، ويؤثر تدريجياً في منظومة القيم والهوية الثقافية لدى الناشئة، فضلاً عن تأثيره في تركيزهم الدراسي وعلاقاتهم الأسرية. ودعت أولياء الأمور إلى تبني أسلوب رقابي متوازن يجمع بين المتابعة والحوار، ووضع ضوابط واضحة لاستخدام الأجهزة في أوقات محددة وتحت رقابة الأهل.
أخطار كبيرة
بدوره أوضح الدكتور جاسم المرزوقي مستشار أسري ونفسي، أن استخدام الأطفال لمنصات التواصل الاجتماعي ينطوي على قدر كبير من الخطورة، مشيراً إلى أن كثيراً من الأسر باتت تلمس هذه المخاطر بشكل مباشر، بل إن بعض الأبناء وقعوا ضحية لممارسات مؤذية مثل الابتزاز أو التلاعب النفسي أو التنمر، وهي سلوكيات تؤثر سلباً في الصحة النفسية للطفل وتضعف ثقته بنفسه.
وأوضح أن هذه المنصات أصبحت تشكل نوعاً من الإدمان لدى بعض الأطفال، إذ يصعب عليهم الاستغناء عنها، كونها تشبع فضولهم وتدفعهم أحياناً إلى مسارات خاطئة، ما ينعكس في سلوكيات غير مرغوبة اجتماعياً.
وأضاف: إن المتابعة المستمرة لهذه المنصات تفرض نوعاً من العزلة، فينعزل الأبناء عن أسرهم ويقضون معظم أوقاتهم أمام الأجهزة، يستقون منها أفكاراً ومعلومات يختلط فيها الغث بالسمين. وأوضح أنه في حال غياب الرقابة، قد يفرط الطفل في وقته وصلاته ودراسته، ما يؤدي إلى تراجع مستواه الأكاديمي.





