الشيخة فاطمة مسيرة عطاء تقود الإماراتية إلى آفاق المستقبل

دبي - ريد السويدي وسارة الكواري

سموها أطلقت استراتيجيات وطنية لتمكين المرأة وتعزيز دورها في المجتمع

مبادرات أفردت للمرأة مساحة في صدارة المشهد الوطني

الإماراتية رسّخت مكانتها في معادلة البناء وصنع القرار

الاتحاد النسائي بيت خبرة وطني شارك في إعداد الاستراتيجيات الخاصة بالمرأة

أسهمت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، في إثراء صفحات الوطن بعطاءٍ ممتد وإنجازاتٍ راسخة.

حيث ارتبط اسمها بعطاء لا يعرف الحدود، وبمسيرة حافلة بدعم المرأة والأسرة والمجتمع. فمنذ البدايات، كانت رؤيتها جسراً عبرت من خلاله المرأة الإماراتية نحو آفاق أوسع من الطموح والإنجاز.

لقد سطرت دولة الإمارات بفضل الرؤية الحكيمة لسمو الشيخة فاطمة بنت مبارك فصلاً استثنائياً في سجل تمكين المرأة، حيث باتت مسيرة نهضة المرأة فيها نموذجاً إقليمياً وعالمياً يُحتذى به.

منذ بدايات الاتحاد دعمت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، مسيرة المرأة الإماراتية، حيث رافقت سموها، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مختلف محطات بناء الدولة، ولم تكن المرأة في الإمارات بعيدة عن المسؤولية، فحتى قبل قيام الدولة وفي فترة ما قبل ظهور النفط، كانت شريكة للرجل في العمل سواء في الزراعة أم الرعي، إلى جانب تحملها مسؤولية تربية الأطفال ورعاية شؤون الأسرة.

وفي البيئة الساحلية اعتاد الرجال الخروج للصيد لفترة طويلة، وكانت المرأة هي التي تدير شؤون الحياة في المجتمع حتى عودتهم من الصيد. ومع بداية الاتحاد وقيام الدولة، كان الشيخ زايد، يؤمن إيماناً عميقاً بأن التعليم هو حجر الأساس لأي بناء وتنمية،.

ولذلك أولى اهتماماً كبيراً لبناء المدارس في مختلف مناطق الدولة، وكان يحرص على زيارة المناطق النائية والاجتماع بسكانها وحثهم على إرسال أولادهم وبناتهم إلى المدارس، كما قام بتخصيص راتب لكل طالب إضافة إلى توفير أدوات القرطاسية لهم، تشجيعاً للأسر على تعليم أبنائها وبناتها.

لقد حرص المغفور له الشيخ زايد على دعم المرأة وحثها على المشاركة في خدمة المجتمع، ولذلك شجع سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك منذ البداية على المشاركة في تطوير المجتمع.

حيث كان مجلس سموها في قصر البحر، والذي اعتادت فيه على استقبال سيدات من مجتمع الإمارات يومي السبت والثلاثاء من كل أسبوع، لفتح باب الحوار معهن ومعرفة ما تحتاجه المرأة في الدولة، وما يواجهها من صعوبات ومعوقات لتطور من نفسها ومن مجتمعها.

أنشطة

وكانت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، تتولى بدورها عرض هذه القضايا والأفكار على المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، ومع اتساع مدينة أبوظبي وزيادة عدد سكانها، جاءت فكرة إنشاء أول جمعية نسائية في الدولة،.

ورحب المغفور له الشيخ زايد بهذه الفكرة وسرعان ما تم افتتاح جمعية «النهضة الظبيانية» في فبراير عام 1973، وكان يشرف على عملها بنفسه ويقوم بافتتاح الأنشطة والمعارض التي تقام بها، تشجيعاً للمرأة ولحث الأسر على السماح للفتيات والنساء على التردد على الجمعية والاستفادة من الخدمات التي تقدمها.

لقد بدأت مسيرة العمل النسائي في الإمارات بـ 4 سيدات فقط، حيث لم يكن هناك أي نوع من الحراك النسائي في ذلك الوقت، وبكثير من الصبر والإصرار تم استقطاب عدداً كبيراً من الفتيات والسيدات للمشاركة في الأنشطة التي تقدمها الجمعية، وحرصاً على نشر التعليم وإتاحته للمرأة دون التقيد بفئة عمرية محددة، تم افتتاح فصول محو الأمية للكبار، والتي كان لها أثر كبير في الحد من الأمية بين السيدات.

ومع الوقت تم إنشاء جمعيات مماثلة في جميع أنحاء الدولة، وتم تتويج هذه الجهود بقيام الاتحاد النسائي العام في 28 أغسطس 1975، الذي شكل نقطة تحول أساسية في مسيرة تقدم المرأة، ولذلك تم اختيار يوم 28 من أغسطس من كل عام ليكون «يوم المرأة الإماراتية».

وبفضل دعم سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، لعبت الجمعيات النسائية والاتحاد النسائي دوراً مهماً في تعليم وتمكين المرأة في الدولة منذ البداية، مؤكدة دور العمل النسائي في ظل التطور الكبير الذي تشهده الدولة، حيث تستعد المرأة الإماراتية للسفر نحو الفضاء.

وتقول سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك: «من المؤكد أن الجمعيات النسائية في مختلف إمارات الدولة، والاتحاد النسائي قامت بدور كبير في النهوض بالمرأة والأسرة والمجتمع ككل، واعتز كثيراً بالدور الذي قامت به رائدات العمل النسائي في الدولة وما بذلناه من جهد لمواجهة الصعاب والتحديات العديدة التي مرت بنا في البدايات».

لقد قام الاتحاد النسائي العام، ولا يزال، بدور كبير في تمكين المرأة في مختلف المجالات، الصحية والتعليمية والاجتماعية والتشريعية وغيرها، وذلك عبر طرح سلسلة من المبادرات والبرامج التدريبية والتوعية المبنية على دراسات تحليلية لواقع المرأة في دولة الإمارات،.

ولعب دوراً في مجال تمكين وتأهيل المرأة الإماراتية للمشاركة السياسية، من خلال تنظيم المؤتمرات والندوات المتخصصة في هذا المجال، حيث أتاح للمرأة الإماراتية فرصة الاطلاع على تجارب مثيلاتها في الدول العربية الشقيقة وعلى المستوى العالمي.

وتستند فلسفة سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك إلى حقيقة مفادها أن الإنسان هو المحرك الأساس لعمليات التنمية وغايتها الأسمى، وأن سلامة المجتمع واستقراره يبدآن من نواته الصلبة «الأسرة»، وتؤمن سموها بأن التمكين الحقيقي للمرأة يمر عبر مظلة شاملة تجمع بين التعليم النوعي، والتأهيل المستمر، وتكافؤ الفرص، إلى جانب غرس القيم الإنسانية النبيلة كالتسامح، والعطاء، والتكافل الاجتماعي، وتأصيل الهوية الوطنية.

ويعتبر الاستثمار في الأسرة والمرأة، في رؤية سموها، استثماراً في مستقبل الوطن ورصيده الاستراتيجي، إذ لا يمكن للتنمية المستدامة أن تحقق غاياتها إلا بمشاركة كافة أطياف المجتمع، وفي هذا الصدد، قالت سموها: «إن إطلاق قدرات المرأة واستثمار طاقاتها يساهم في تحقيق التنمية».

دور محوري

ومع قيام الاتحاد عام 1971، بدأت دولة الإمارات مرحلة جديدة من البناء المؤسسي، وكان من أبرز ملامحها الاهتمام ببناء الإنسان، وإتاحة الفرص أمام المرأة للمشاركة في التنمية الوطنية.

وفي هذا السياق، أدت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك دوراً محورياً في صياغة مشروع وطني يقوم على تمكين المرأة، ليس بوصفه هدفاً مستقلاً، وإنما باعتباره جزءاً من التنمية الشاملة، التي تبدأ بالتعليم، وتمر بالتأهيل والعمل، وتنتهي بالمشاركة في صنع القرار.

ولترجمة هذه الرؤية التنموية في نموذج مؤسسي مستدام، أسست سموها الاتحاد النسائي العام عام 1975 ليكون المظلة الوطنية التي تنظم جهود الجمعيات النسائية، وتقود مسيرة تمكين المرأة وفق رؤية مؤسسية متكاملة وانطلاقاً من قناعة سموها بأن المرأة الإماراتية تمتلك القدرة على الإسهام في بناء الوطن متى ما توفرت لها البيئة المناسبة،.

وهو ما انعكس لاحقاً في حضورها اللافت داخل الحكومة، والمجلس الوطني الاتحادي، والسلك الدبلوماسي، والسلطة القضائية، والقوات المسلحة، والقطاع الاقتصادي، ومجالس إدارات المؤسسات الحكومية والخاصة.

ولم يقف دور الاتحاد عند دعم الأنشطة النسائية، بل تطور إلى بيت خبرة وطني شارك في إعداد الاستراتيجيات الوطنية الخاصة بالمرأة، وأسهم في تطوير السياسات العامة، وإطلاق برامج التدريب والتأهيل، وتعزيز المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمرأة.

كما كرس الاتحاد جهوده لنشر ثقافة المساواة في الفرص، ودعم التعليم المستمر، وبناء القيادات النسائية، وتمكين المرأة في مختلف القطاعات.

واستكمالاً للمنظومة المؤسسية، تولت سموها رئاسة «المجلس الأعلى للأمومة والطفولة»، الذي يشكل المرجعية الوطنية العليا المعنية بوضع السياسات والتشريعات الضامنة لحقوق الأم والطفل.

ويؤدي المجلس دوراً محورياً في إجراء الدراسات والبحوث، ومتابعة تنفيذ الاتفاقيات الدولية، والتنسيق بين الجهات الحكومية، وإطلاق المبادرات الوطنية التي تعزز حماية الطفل، وتدعم صحة الأم، وتوفر بيئة آمنة للنشء.

كما كان للمجلس دور فاعل في دعم إصدار السياسات الوطنية الخاصة بالطفولة، وإطلاق المبادرات التي عززت مكانة الإمارات ضمن الدول الأكثر اهتماماً بحقوق الطفل ورعاية الأسرة.

وانطلاقاً من إيمان سموها بأن الأسرة هي الركيزة الأساسية لأي مجتمع مستقر، أُنشئت «مؤسسة التنمية الأسرية» عام 2006، لترجمة هذا الفكر التنموي إلى خدمات وبرامج واقعية.

وتجسد المؤسسة منذ تأسيسها نموذجاً وطنياً رائداً في العمل الاجتماعي والإنساني، من خلال خدمات ومبادرات نوعية استهدفت الأسرة وكبار المواطنين والمرأة والطفل والشباب، وأسهمت في تحقيق أثر اجتماعي ملموس يعكس ثقة المجتمع بجودة خدماتها وفاعلية برامجها، لتواصل المؤسسة دورها بوصفها بيتاً للأسرة ومنارةً للعطاء.

وأسهمت سموها في دعم الفعاليات المجتمعية وكان لرعايتها الكريمة للعديد من البرامج والفعاليات لمؤسسات المجتمع المدني فاعلية وكفاءة عالية في الأداء، ولم تقف عطاءات «أم الإمارات» عند الحدود الوطنية، بل امتدت إلى عشرات الدول عبر برامج تنموية وإنسانية استهدفت تمكين المرأة، ورعاية الأطفال، وإغاثة المجتمعات النامية والمكلومة.

وحظيت سموها بمكانة عالمية مرموقة نظراً لإنجازاتها الكبيرة والمتعددة والمتنوعة في شتى المجالات جعلت منها شخصية تستحق التقدير والتكريم، حيث نالت سموها ما يزيد على 500 جائزة تقديرية، منحتها منظمات أممية، وهيئات محلية وعربية ودولية.

وتضمن هذا التكريم صوراً مختلفة، من جوائز وأوسمة وشهادات تقدير وشهادات فخرية، عبّرت جميعها عن المكانة المرموقة التي حصلت عليها بسمو مواقفها وعظمة أدوارها ومبادراتها، وبكل سجاياها المفعمة بالإنسانية.

سفيرة فوق العادة

وفي عام 2010، تم تسمية سموها سفيرة فوق العادة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) تقديراً لجهود سموها في نصرة قضايا المرأة على الصعيدين الإقليمي والدولي ودورها الرائد في مكافحة الأمية، وفي تعليم المرأة.

كما حصلت سموها في عام 2015 على لقب شخصية العام الإسلامية من جائزة دبي للقرآن الكريم في دورتها التاسعة عشرة تقديراً لدور سموها في خدمة قضايا المرأة.

وحرصت سموها على دعم العديد من المبادرات والبرامج التي أسهمت في تمكين المرأة في مختلف مناحي الحياة شملت الصحة والتعليم والأسرة والمبادرات الإنسانية والخيرية والرياضية.

كما تبنت سموها مبادرات ومشاريع مختلفة أسهمت في تمكين المرأة محلياً وإقليمياً ودولياً، ومن أبرزها: إطلاق استراتيجية محو الأمية وتعليم المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1975،.

وتأسيس صندوق الشيخة فاطمة لرعاية المرأة اللاجئة والطفل بالتعاون مع هيئة الهلال الأحمر والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين عام 2000. كذلك إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتقدم المرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة 2002، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة «اليونيفيم».

وتعد تجربة المرأة الإماراتية اليوم من أبرز قصص النجاح في المنطقة، هذه التجربة ممهورة بتوجيهات سموها ودعمها اللامحدود في تمكين المرأة الإماراتية،.

حيث انتقلت خلال عقود قليلة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الريادة، بفضل البيئة التشريعية والمؤسسية التي دعمتها سموها، والرؤية التي تبنتها، وقامت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك بإطلاق عدد من الاستراتيجيات الوطنية لتمكين المرأة وتعزيز دورها في المجتمع محلياً وإقليمياً، من أبرزها:

الاستراتيجية الوطنية لتقدم المرأة (2002) لتكون منهجية وإطار عمل من أجل المشاركة الفاعلة للمرأة في ثمانية قطاعات رئيسة هي: التعليم، الصحة، الاقتصاد، المجال الاجتماعي، المجال التشريعي، المشاركة السياسية واتخاذ القرار، البيئة والإعلام، والاستراتيجية الوطنية المحدثة لتمكين وريادة المرأة (2015 - 2021).

وإطلاق الاستراتيجية الوطنية للأمومة والطفولة والخطة الاستراتيجية، لتعزيز حقوق وتنمية الأطفال أصحاب الهمم 2017 - 2021. كذلك إطلاق السياسة الوطنية لتمكين المرأة في دولة الإمارات (2023 - 2031) والتي اعتمدها مجلس الوزراء لتكون الخارطة الوطنية الحديثة التي تقود جهود التمكين بما ينسجم مع رؤية الإمارات المستقبليّة.

رؤية تعزز الترابط الأسري

تعد الأسرة محوراً أساسياً في رؤية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، انطلاقاً من إيمان سموها بأن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار الأسرة.

حيث قدمت دعماً لا محدوداً للبرامج الوقائية، ومبادرات التأهيل قبل الزواج، والإرشاد الأسري، والمشروعات التي تعزز الترابط بين أفراد الأسرة، إلى جانب دعم التشريعات والسياسات التي تحمي حقوق المرأة والطفل وكبار المواطنين، وانعكس ذلك في ارتفاع مستوى الوعي الأسري، وتوسع الخدمات الاجتماعية، وتعزيز مفهوم المسؤولية المشتركة داخل الأسرة الإماراتية.

لم تقتصر جهود سموها داخل الحدود الجغرافية للدولة، بل امتد أثرها إلى خارج حدود الإمارات عبر عشرات المبادرات الإنسانية التي شملت بناء المدارس والمراكز الصحية، ودعم اللاجئين، ورعاية النساء والأطفال في المناطق المتضررة، والإسهام في جهود الإغاثة الدولية، انطلاقاً من نهج إنساني يعكس قيم الإمارات القائمة على التضامن والعطاء.

وحظيت هذه الجهود بإشادة من العديد من المنظمات الإقليمية والدولية، وأسهمت في تعزيز مكانة دولة الإمارات كواحدة من أبرز الدول الداعمة للعمل الإنساني والتنمية المستدامة.

وبعد أكثر من خمسة عقود، لا تزال رؤية «أم الإمارات» تشكل الأساس الذي تنطلق منه مسيرة المرأة الإماراتية، عبر إعداد أجيال جديدة من القيادات النسائية القادرة على مواصلة مسيرة التنمية، وترسيخ مكانة الإمارات نموذجاً عالمياً في تمكين المرأة وبناء الإنسان.