لطيفة بنت حمدان مصدر السلام والسكينة

رفيقة درب راشد بن سعيد وعاشت إلى جانبه سنوات المسؤولية والعمل

غرست في أبنائها الأخلاق وتركت إرثاً إنسانياً خلدها في ذاكرة أبناء الوطن

عُرفت بتوازنها بين الحزم واللين.. وجمعت بين قوة الشخصية ورقي التعامل

تزخر دولة الإمارات العربية المتحدة بقيادات نسائية تركت أثراً مجتمعياً وإنسانياً، بينهن من صنعن التاريخ من داخل المنزل وأسّسن للأجيال بالقيم والمبادئ التي تحولت لاحقاً إلى مشاريع تنموية وإنجازات وطنية، وكنّ ذات حضور مؤثر في مسيرة المجتمع، وأسهمن في بناء الأسرة وترسيخ القيم التي قامت عليها الدولة.

ومن بين هذه الشخصيات تبرز والدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان بن زايد آل نهيان، رحمها الله، إحدى الشخصيات النسائية الملهمة في تاريخ دولة الإمارات، بما غرسته في أبنائها من أخلاق وقيم وبما تركته من إرث إنساني جعلها حاضرة في وجدان وذاكرة أبناء الإمارات، والمرأة التي صنعت القائد قبل أن يصنع ويكتب التاريخ.

فرصة استثنائية

لم يكن دور المرأة الإماراتية وليد الحاضر فقط، بل كانت حاضرة منذ البدايات في مواقع المسؤولية الاجتماعية والأسرية، تؤدي أدواراً مهمة في مجتمعها، وهو الدور الذي تعزز اليوم عبر مشاركتها في مختلف المجالات القيادية والتنموية، ومنذ 2015 بدأ الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية الذي يصادف الثامن والعشرين من أغسطس من كل عام، ويعد فرصة استثنائية لتسليط الضوء على إنجازات الدولة والجهود التي تبذلها في مجال تمكين ودعم المرأة.

وأعلنت سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام، رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة، الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، «بنظهر الأقوى والأفضل» شعاراً ليوم المرأة الإماراتية 2026.

وفي يوم المرأة الإماراتية تحضر سيرة الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان بوصفها إحدى الشخصيات النسائية التي تركت بصمة واضحة في مسيرة دولة الإمارات، وقدمت نموذجاً للمرأة التي جمعت بين الحكمة وقوة الشخصية والإحساس العميق بالمسؤولية المجتمعية.

فلم يقتصر دورها على رعاية أسرتها والاهتمام بشؤون منزلها، بل امتد ليشمل محيطها الاجتماعي، حيث عُرفت بقربها من الناس وحرصها على متابعة قضاياهم والاستماع إلى احتياجاتهم.

ملتقى نسائي

كان مجلس الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان ملتقى للنساء، تستقبل فيه مختلف القضايا والهموم، وتنقلها إلى المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، ما يعكس مكانتها وثقة المجتمع برأيها ودورها. وأسهم هذا النهج في تعزيز جسور التواصل بين المجتمع والقيادة، وجسّد صورة المرأة الإماراتية الشريكة في خدمة مجتمعها.

كما عُرفت الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان بتوازنها بين الحزم واللين، إذ جمعت بين قوة الشخصية ورقي التعامل، وهو ما أكسبها احترام وتقدير كل من عرفها، لتظل سيرتها حاضرة بوصفها أحد النماذج الملهمة للمرأة الإماراتية التي أسهمت، بحكمتها وعطائها، في ترسيخ قيم التلاحم المجتمعي.

نشأة أصيلة

وُلدت المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، رحمها الله، عام 1919 في عهد والدها المغفور له الشيخ حمدان بن زايد بن خليفة آل نهيان، الذي تولى حكم إمارة أبوظبي خلال الفترة من عام 1912 إلى عام 1922. ونشأت في بيئة أسرية إماراتية أصيلة، ترسخت فيها قيم الدين والأخلاق والكرم، وهي القيم التي انعكست على شخصيتها ومسيرتها لاحقاً.

وفي عام 1939 تزوجت المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، لتبدأ معه مسيرة أسرية امتدت لأكثر من أربعة عقود، كانت خلالها رفيقة دربه وسنداً له في مختلف مراحل حياته.

وكانت الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان سنداً لزوجها المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، الذي قاد مرحلة مهمة من مسيرة دبي وحولها من مجتمع محلي إلى مدينة ذات حضور اقتصادي وتنموي بارز، وعاشت إلى جانبه سنوات المسؤولية والعمل.

فكانت رفيقة دربه في مرحلة شهدت الكثير من التحديات والتحولات، وأسهمت بحضورها في توفير الاستقرار والدعم داخل الأسرة.

ولم يقتصر دورها على كونها زوجة لحاكم دبي، بل كانت صاحبة شخصية مؤثرة في محيطها، عُرفت بالحكمة والهدوء والقدرة على التعامل مع مختلف المواقف.

وقد وصفها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بأنها كانت مصدراً للسلام والسكينة، وأنها تحتل مكانة كبيرة في حياته.

وفي إطار دورها الأسري، أولت الشيخة لطيفة بنت حمدان اهتماماً كبيراً بتربية أبنائها ورعايتهم، وحرصت على غرس قيم المسؤولية والانتماء والالتزام في نفوسهم، وأسهم هذا الدور في بناء أسرة كان لأبنائها حضور بارز في مسيرة دبي ودولة الإمارات، ليصبح عطاؤها جزءاً من قصة أجيال واصلت خدمة الوطن في مجالات متعددة.

أم ملهمة

وتعد الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان نموذجاً للأم الإماراتية التي أدت دوراً محورياً في بناء الأسرة، حيث جمعت بين العاطفة والحكمة، وبين الحزم والاحتواء، لتترك أثراً امتد إلى أبنائها الذين أصبحوا جزءاً من مسيرة دبي ودولة الإمارات.

وكان حضورها يصنع الأثر بهدوء ويزرع المحبة دون تكلف، حرصت على تربية أبنائها بالقدوة وغرس معاني العطاء واحترام الناس في نفوسهم والتواضع والإحساس بالآخرين، وغدت هذه القيم جزءاً أصيلاً في القيادة والحكم في إمارة دبي والتي تمتد جذورها إلى التربية التي تلقاها أبناؤها في المنزل.

واستعاد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم جانباً من علاقته بوالدته المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان في كتابه «قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً»، مستحضراً مكانتها الكبيرة في حياته، وواصفاً إياها بأنها كانت مصدراً للسلام والسكينة، حيث قال سموه: «كل ابن يمكن أن يتحدث عن السلام والسكينة في وجه أمه، ولكن أمي ليست ككل الأمهات، كانت كلها سلاماً وسكينة».

سمات

وكان لِسمات الشيخة لطيفة بنت حمدان الإنسانية الأثر الكبير في أبنائها نتيجة عمق العلاقة التي جمعتم بها، وما تركته في شخصياتهم ونظرتهم للحياة، إذ لم يقتصر دورها على الرعاية والعناية اليومية، بل كانت مصدراً للقيم والمعاني التي رافقت مسيرة أبنائها.

وبقي حضورها الإنساني حاضراً في وجدانهم ومرتبطاً في ذاكرتهم بالحنان والرحمة والاهتمام، وهي صفات حرصت على غرسها في أبنائها من خلال التربية والقرب والمتابعة، فكانت شخصية ملهمة ونموذجاً للأم الإماراتية في بناء الأسرة، والتي تحرص على متابعة تفاصيل حياتهم اليومية، بما يعكس صورة الأم الحاضرة التي تجمع بين الحنان والرعاية، وتؤمن بأن الرعاية والاهتمام هما أساس بناء شخصية الأبناء وترسيخ القيم في نفوسهم.

أثر إنساني

وكانت الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان أماً عظيمة وواحدة من أعلام النساء، وسيدة نساء زمانها، عُرفت بحسن أخلاقها وطيبة قلبها ويدها البيضاء وعرفت بقربها من الناس، وبما حملته من صفات إنسانية جعلتها تحظى بمحبة واحترام من حولها.

وامتلكت خبرة في العلاج بالأعشاب، حيث كان يقصدها الناس من أماكن بعيدة طلباً للمشورة والاستفادة من معرفتها، وهو ما يعكس ثقة المجتمع بها وحرصها على مساعدة الآخرين.

وتبقى سيرة الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان حاضرة في وجدان الإمارات من خلال القيم التي جسدتها والمكانة التي تركتها في مجتمعها وأسرتها، ليحمل عدد من المعالم في دبي اسمها، ومن بينها مستشفى لطيفة وشارع لطيفة بنت حمدان ومسجد الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، وليظل اسمها مرتبطاً بالعطاء والإنسانية، ولترسَّخ صورتها في ذاكرة الأجيال نموذجاً للمرأة الإماراتية التي كان لها دور في بناء الأسرة والمجتمع.