الجامعات تفتح أبوابها للذكاء الاصطناعي..الطالب يحتفظ بمقود التفكير

دبي - مريم العدان وسارة الكواري

أكدت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي دعمها لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم والتعلم والبحث العلمي، لما توفره من فرص لتطوير العملية التعليمية، وتحسين تجربة الطلبة، وتعزيز مهاراتهم، وإعدادهم لمتطلبات سوق العمل المستقبلية.

وأوضحت الوزارة أن استخدام الطلبة لأدوات الذكاء الاصطناعي، مثل «تشات جي بي تي» و«كلود» و«جيميني» و«مايكروسوفت كوبايلوت»، مرحب به في العملية التعليمية، شريطة أن يتم ضمن أطر وضوابط أكاديمية وأخلاقية واضحة، ووفق التعليمات والسياسات المعتمدة في مؤسسات التعليم العالي.

ويقول أكاديميون لـ«البيان» إن هذه الأدوات يمكن أن تعزز قدرات الطلبة وتوفر الوقت والجهد، إلا أن الاستفادة منها يجب ألا تتحول إلى بديل عن التفكير والبحث والتحليل.

كما شددوا على أهمية أن يبقى الطالب صاحب الدور الأساسي في تحديد المشكلة، وصياغة الأسئلة، وتحليل الأدلة، وتقييم النتائج، والتحقق من المعلومات والمصادر.

تؤكد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في مؤسسات التعليم العالي يمكن أن يسهم في دعم التعلم المستمر وتسهيل المسيرة الأكاديمية للطلبة، إلى جانب توسيع الاستفادة منها في مجالات التعليم والتعلم والبحث العلمي.

وأوضحت أن استخدام هذه التقنيات يجب أن يعزز قدرة الطالب على البحث والتحليل والتفكير، لا أن يحل محل جهده الأكاديمي، مع الحفاظ على النزاهة الأكاديمية وجودة المخرجات. كما حثت مؤسسات التعليم العالي على تنظيم استخدام هذه الأدوات، ومساعدة الطلبة على توظيفها بصورة مثلى خلال رحلتهم الأكاديمية.

ويخضع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي حالياً للسياسات والتعليمات المعتمدة في كل مؤسسة على حدة، ضمن أطر أكاديمية وأخلاقية تراعي طبيعة العملية التعليمية ومتطلبات النزاهة والجودة.

وفي هذا الإطار، تعمل مجموعة العمل المعنية بتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي على دعم تبني هذه التقنيات في مؤسسات التعليم العالي، من خلال تشجيع تطوير المناهج الدراسية، وتعزيز الاستخدام الفعال والمسؤول لأدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والتعلم والبحث العلمي، ودراسة أثرها في مستقبل التعليم العالي وهيكله واقتصادياته.

كما تتجه الوزارة إلى تطوير دليل استرشادي لمؤسسات التعليم العالي، يسهم في توحيد المبادئ العامة للاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، مع إتاحة المرونة للمؤسسات في تطبيقها وفق طبيعة برامجها واحتياجاتها الأكاديمية.

الطالب أولاً

شبّه الدكتور يوسف العساف، رئيس جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبي، استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم باستخدام الآلة الحاسبة، موضحاً أن الأخيرة وفرت للطالب الوقت في العمليات الروتينية، وأتاحت له التركيز على التفكير في حل المشكلات، وهو المبدأ ذاته الذي يمكن تطبيقه على الذكاء الاصطناعي.

وقال إن الطالب يستطيع الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في اختصار الوقت الذي قد يقضيه في البحث عن الأوراق والمعلومات، إلا أن التفكير في المشكلة وتحديد طريقة حلها يجب أن يبقيا من مسؤولية الطالب.

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يقدم حلولاً غير صحيحة، ما يجعل دور الطالب أساسياً في تحديد المشكلة وطرح أبعادها، والتمييز بين الحلول وتقييمها، لافتاً إلى أهمية قدرة الطالب على صياغة طلباته للأداة بصورة دقيقة، بدلاً من الاكتفاء بطرح أسئلة عامة وانتظار الإجابات.

أصالة التفكير

ويرى الدكتور صالح سليم الحموري، خبير التدريب والتطوير في كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية، أن الذكاء الاصطناعي غيّر بالفعل طريقة تعاطي الطلبة مع البحث العلمي، إذ أصبح الطالب قادراً خلال دقائق على توليد أفكار أولية، وتلخيص الدراسات، والمقارنة بين المفاهيم، واقتراح هياكل للبحوث، بل والمساعدة في تحليل بعض البيانات.

وأوضح أن هذه الإمكانات تختصر كثيراً من الوقت والجهد، لكنها تفرض تحدياً حقيقياً عندما ينتقل الطالب من استخدام الذكاء الاصطناعي لتعزيز قدراته إلى الاعتماد عليه في التفكير والتحليل نيابة عنه.

وأكد أن القضية لم تعد تتمثل في سؤال «هل نسمح للطلبة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟»، وإنما في كيفية تعليمهم استخدامه بصورة علمية ونقدية وأخلاقية ومسؤولة.

وأشار إلى أن التفكير النقدي، وصياغة الأسئلة البحثية، والتحقق من المعلومات والمصادر، وتحليل الأدلة، وإتقان المنهجية البحثية والكتابة العلمية الأصيلة، إلى جانب الوعي بقدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده وأخلاقيات استخدامه، يجب أن تكون في صميم التعليم الجامعي.

وأضاف أن الجامعات مطالبة بإعادة النظر في أساليب التقييم، بحيث لا يقتصر تقييم الطالب على المنتج النهائي للبحث، وإنما يشمل رحلة التفكير التي أدت إليه، بدءاً من تحديد المشكلة وصياغة السؤال البحثي، مروراً بجمع الأدلة والتحقق منها واختيار المنهجية، وصولاً إلى النتائج والاستنتاجات.

الذكاء الاصطناعي المسؤول

من جانبه، وضع الدكتور فادي الحدادين، أستاذ مساعد بكلية العلوم الرياضية والحاسوب في جامعة هيريوت وات دبي، استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن مفهوم «الذكاء الاصطناعي المسؤول».

مشيراً إلى أن إعداد الطلبة للمستقبل لا ينبغي أن يقتصر على المعرفة التقنية، بل يجب أن يشمل مبادئ العدالة والمساءلة والشفافية والخصوصية، إلى جانب التفكير النقدي والقدرة على اتخاذ القرارات الأخلاقية.

وأكد أهمية إدراج هذه الاعتبارات في المناهج الجامعية، خصوصاً مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، مشيراً إلى ضرورة تدريب الطلبة على تقييم المخاطر المحتملة، ومساءلة الافتراضات، وتوقع الآثار غير المقصودة للتقنيات الذكية.

كما شدد على أهمية التعلم القائم على المشاريع، والتدريب العملي، والتعاون متعدد التخصصات، بما يساعد الطلبة على تطبيق مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول على تحديات واقعية.

الطلبة.. استخدام لا استبدال

وتعكس تجارب الطلبة اتجاهاً متقارباً في التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساعدة، مع الإبقاء على البحث والتحقق والمراجعة مسؤولية شخصية.

وتقول علياء السعدي، خريجة في الإعلام التطبيقي، إنها تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع البحث والكتابة وتنظيم المعلومات، لكنها تبدأ بالبحث عن المصادر وقراءة الموضوع بنفسها لتكوين فكرة أولية عنه، ثم تجمع المعلومات المفيدة وتصنفها لمعرفة ما لديها وما ينقصها.

وتستعين السعدي بعد ذلك بالذكاء الاصطناعي في ترتيب المادة وتطوير الأفكار وإضافة عمق إلى الموضوع، إلى جانب التصحيح والتدقيق اللغوي، كما تستخدم «هندسة الأوامر» للحصول على نتائج أكثر دقة، من خلال تحديد دور الأداة والمهمة والسياق وشكل النتيجة المطلوبة.

وأوضحت أنها قد تطلب من الأداة إعداد بحث أو تقرير بصورة كاملة عندما لا تكون لديها فكرة واضحة عن الموضوع أو عندما يكون بسيطاً، لكنها لا تعتمد على الناتج كما هو، بل تعيد قراءته وصياغته والتحقق من المعلومات والمصادر، مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يرتكب أخطاء أو يقدم مصادر غير صحيحة.

وتستخدم عائشة مبارك، الطالبة في جامعة سان جوزيف دبي، الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة في إعداد البحوث والمشاريع الجامعية، وليس مصدراً أساسياً للحصول على المعلومات.

وتبدأ بتحديد موضوع البحث وجمع المعلومات بنفسها من الكتب والمقالات والمصادر الأكاديمية والموثوقة، قبل الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في المراحل اللاحقة لتنظيم الأفكار وترتيب فقرات البحث وربطها، إلى جانب إعادة صياغة بعض الأجزاء بصورة أوضح ومراجعة الأخطاء اللغوية واقتراح طرق أفضل لعرض الأفكار.

وبعد ذلك، تعود إلى مراجعة المحتوى والتأكد من صحة المعلومات والمصادر، ثم تعدل النص ليتناسب مع أسلوبها وفكرة البحث، مؤكدة أن دور الذكاء الاصطناعي يتركز في تنظيم العمل وتطويره، وليس القيام بالبحث أو التفكير نيابة عنها.

أما حور خصيف، الطالبة في كليات التقنية العليا، فتوضح أنها تستخدم الذكاء الاصطناعي خصوصاً عندما تواجه موضوعاً صعباً يحتاج إلى شرح إضافي، أو عندما تكون لديها مجموعة من الأفكار التي لا تستطيع ترتيبها.

وتقول إنها تكتب أفكارها المتعلقة بالموضوع، حتى وإن كانت عشوائية، ثم تستعين بأدوات الذكاء الاصطناعي لترتيبها وتسلسلها بصورة واضحة تساعدها على البدء في البحث أو المشروع، كما تستخدمه في شرح الدروس وتصحيح الأخطاء والترجمة وإعداد العروض التقديمية وتطوير الأفكار.

في المقابل، تفضل البحث عن المصادر والمراجع بنفسها، لعدم ضمان دقة المصادر التي قد يقترحها الذكاء الاصطناعي، وإذا استعانت بأحدها فإنها تتحقق منه قبل استخدامه.

كما لا تنسخ النصوص التي تنتجها الأدوات كما هي، وإنما تستفيد منها في ترتيب المعلومات ثم تعيد صياغتها بأسلوبها، وتراجع البحث والمعلومات والمراجع قبل تسليمه.

ويعكس هذا النهج ما يؤكده الأكاديميون والوزارة من أن مستقبل الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي لا يرتبط بمنع استخدامه، وإنما بتوجيهه نحو تعزيز قدرات الطالب، مع الحفاظ على التفكير النقدي، والبحث المستقل، والنزاهة الأكاديمية، والمسؤولية عن النتائج.

أكاديميون:

التقنيات تعزز القدرة على البحث والتحليل وليست بديلاً للجهد الأكاديمي

طريقة حل المشكلة تبقى من مسؤولية الطالب

ضرورة إعداد الطلبة للمستقبل وفق مبادئ العدالة والمساءلة والخصوصية

التعلم القائم على المشاريع يساعد في تطبيق مبادئ الذكاء الاصطناعي على تحديات واقعية

التفكير النقدي والتحقق من المعلومات في صميم التعليم الجامعي