صحة الأطفال النفسية.. مسؤولية أسرية

دبي - مريم العدان وسارة الكواري

أكد مختصون نفسيون وتربويون أن الصحة النفسية أحد الأسس التي تقوم عليها التنشئة السليمة للأطفال وبناء شخصيتهم وتحقيقهم النجاح والتميز في التحصيل مع بدء الاستعداد للعودة إلى مقاعد الدراسة في الأيام المقبلة، في ظل مراعاة توفير بيئة تمنحه الأمان والثقة والقدرة على التعبير عن مشاعرهم وتحملهم المسؤولية.

وقالوا لـ«البيان» إن بناء شخصية متوازنة يتطلب قرارات أسرية تتركز في الاهتمام بحياة آمنة تقوم على الحوار والاحتواء والقدوة، ومنح الأبناء مساحة مناسبة للاستقلالية، بعيداً عن المقارنة والضغط المبالغ فيه.

مشددين على أهمية احترام مشاعر الطفل وفهم احتياجاته، والتعامل مع التحديات النفسية والسلوكية في وقت مبكر، إلى جانب تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمختصين لتتحقق النتيجة المرجوة.

الأمان النفسي

وأوضحت الدكتورة صبرين الفقي أخصائية نفسية ومديرة مركز طموح للتدريب والتأهيل، أن الصحة النفسية للطفل تبدأ من شعوره بالأمان والقبول والاستقرار داخل محيطه.

مشيرة إلى أن أبرز التحديات التي تواجه الأطفال والناشئين تتمثل في القلق، واضطرابات المزاج، وصعوبات التكيف، وانخفاض تقدير الذات، والمشكلات السلوكية والانفعالية، إلى جانب التنمر والضغوط الدراسية وتأثير الاستخدام المفرط للأجهزة والشاشات، خصوصاً عندما يأتي على حساب النوم والحركة واللعب والتواصل الفعلي داخل محيط الأسرة.

وتدعو الفقي الوالدين إلى الانتباه للتغيرات المستمرة في سلوك الطفل، مثل تغير المزاج، والانعزال، وفقدان الاهتمام بالأنشطة، واضطرابات النوم أو الشهية، والتراجع الدراسي، ونوبات الغضب أو البكاء المتكررة.

والقلق الشديد أو انخفاض تقدير الذات. وتحذر من التقليل من مشاعر الطفل أو مقارنته بغيره والنقد المستمر والتركيز على النتائج بدلاً من الجهد، مؤكدة أن فهم ما وراء السلوك أكثر فاعلية من الاكتفاء بالعقاب.

وتشدد على أن التدخل المبكر يمثل حماية للطفل وليس دليلاً على وجود مشكلة خطيرة، موضحة أن المرونة النفسية تعني قدرة الطفل على التعامل مع الضغوط واستعادة توازنه.

ويمكن للأسرة تعزيزها من خلال علاقة آمنة، وإتاحة مساحة للتعبير، وتعليم الأبناء حل المشكلات وتحمل مسؤوليات تتناسب مع أعمارهم، مع توفير النوم الكافي والنشاط البدني واللعب والعلاقات الاجتماعية الصحية.

وترى هبة عبدالرحمن، مستشارة تربوية، أن التنشئة اليوم تختلف عن السابق، لأن الأبناء ينشأون في عالم مفتوح على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتدفق المعلومات وتغير أساليب التواصل، ما يجعل الهدف التربوي ليس عزل الطفل عن هذه المتغيرات، وإنما رفع قدرته على التعامل معها بوعي.

وتؤكد أهمية بناء تقدير ذات متوازن من خلال رسائل إيجابية واقعية، وتعليم الأبناء التخطيط وحل المشكلات والتفكير بطرق مختلفة، بما يجعلهم أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة.

وتشير إلى أن التربية الحديثة تحتاج إلى الانتقال من التركيز على التحصيل وحده إلى بناء شخصية متكاملة، من خلال إكساب الأبناء مهارات الحياة وإتاحة الفرصة لهم للمشاركة وإبداء الرأي واكتشاف اهتماماتهم.

كما ترى أهمية منح الطفل مساحة مناسبة للاستقلالية وتحمل المسؤولية، لأن مشاركته في اتخاذ بعض القرارات والتجارب تساعده على اكتساب الثقة والقدرة على التعلم من النتائج.

وتلفت إلى أهمية فهم احتياجات الأبناء بحسب مراحلهم العمرية، فاحتياجات الطفل في سنواته الأولى في الدراسة تختلف عن المراهق الذي تصبح علاقاته بأقرانه أكثر حضوراً في حياته.

وتدعو إلى تنظيم استخدام الأجهزة والتكنولوجيا بدلاً من منعها بصورة مطلقة، مع ترسيخ مفهوم التوازن واحترام حقوق الأبناء وواجباتهم، وتعزيز الحوار والإنصات باعتبارهما من أدوات التربية الأساسية.

وتركز بسمة الشيمي، المرشدة الأكاديمية في مدارس الإمارات الوطنية، على أهمية اكتشاف التغيرات التي تطرأ على الطالب قبل أن تتحول إلى مشكلة أكبر، موضحة أن المعلم أو المرشد الصفي غالباً ما يكون أول من يلاحظ اختلافاً في سلوك الطالب أو حضوره أو تحصيله أو تفاعله مع زملائه.

وتؤكد أن التعامل مع هذه المؤشرات يتطلب النظر إلى التغير المستمر في سلوك الطالب، وليس إلى موقف عابر، مع جمع الملاحظات لفهم الصورة بصورة أكثر دقة.وترى أن الوقاية يجب أن تسبق المشكلة، من خلال مساعدة الطلبة على اكتساب مهارات إدارة الضغوط وتنظيم الوقت والوعي بالمشاعر والمرونة النفسية وبناء العلاقات الصحية.

وتؤكد أن الأنشطة الرياضية والفنية والقراءة والعمل الجماعي والفرص القيادية تمنح الطلبة مساحات للتعبير عن أنفسهم وبناء علاقات حقيقية، خصوصاً في ظل تنامي الاعتماد على الشاشات.

وتشدد على أن التعامل مع الحالات يحتاج إلى تحديد حدود الدور التربوي، فبعض التحديات يمكن متابعتها من خلال الإرشاد والرعاية الطلابية والتعاون مع الأسرة، بينما تحتاج الحالات المستمرة أو الشديدة أو التي تؤثر في حياة الطالب اليومية إلى مختص نفسي خارج المدرسة. وتؤكد أن التعاون المبكر بين الأسرة والجهات التربوية والمختصين يساعد على تقديم الدعم المناسب دون وصم أو لوم.

ويؤكد الدكتور هشام عبدالعزيز مدير مدرسة عجمان الخاصة، أن المدرسة تولي عناية متنامية بالصحة النفسية للطلبة، باعتبارها مدخلاً مهماً للتحصيل الأكاديمي والتفوق الدراسي.

مشيراً إلى أن الرعاية النفسية أصبحت جزءاً من الخطة التطويرية للمدرسة. وتشمل المنظومة الإرشاد الطلابي والرعاية النفسية من خلال أخصائيين اجتماعيين ونفسيين يقدمون جلسات فردية وجماعية لمساعدة الطلبة على التعامل مع التوتر والمشكلات السلوكية والنفسية والتكيف مع البيئة المدرسية.

وأوضح أن المدرسة تعمل أيضاً على الحد من التنمر وتعزيز ثقافة الاحترام والتعاطف والقبول، إلى جانب الأنشطة الصفية واللاصفية والرياضة والفنون ومهارات الحياة، التي تسهم في تعزيز الثقة بالنفس وبناء علاقات اجتماعية صحية، فضلاً عن رعاية المواهب الطلابية والاهتمام بالقراءة والأنشطة التطوعية والمجتمعية، بما يعزز القيم والانتماء والشعور بالمسؤولية.

وترى مريم مصلح العرياني، ولية أمر، أن حماية الصحة النفسية للأبناء تبدأ من عدم تحميلهم ضغوطاً تفوق قدرتهم، خصوصاً الأطفال المتميزين الذين قد تتحول كثرة الإنجازات والتوقعات إلى عبء غير ملحوظ.

وتؤكد أهمية أن يدرك الأبناء أن سعادتهم وراحتهم لا ترتبطان بالجوائز والمراكز، مع تخصيص أوقات للترفيه والرحلات والراحة، وتهيئة مساحة آمنة داخل الأسرة للحوار والتعبير عن المشاعر. وتشير إلى أن اختلاف شخصيات الأبناء واهتماماتهم يتطلب من الأهل اكتشاف نقاط القوة لدى كل طفل بدلاً من المقارنة بينهم، ومنحهم مساحة للاختيار والتجربة وحتى الخطأ.

وتؤكد منى سلطان السويدي، ولية أمر، أن الأسرة تشكل المرجعية الأولى للطفل، وأن طريقة حديث الوالدين معه ونظرتهما إليه تؤثر في ثقته بنفسه وشعوره بالأمان.

لذلك تحرص على القرب من أبنائها والاستماع إليهم ومنحهم مساحة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم، مع الموازنة بين الثقة والمتابعة والحرية والمسؤولية، ومراعاة ما يتناسب مع أعمارهم وقدرتهم على فهم المواقف.

وترى السويدي أن التعامل مع التكنولوجيا يحتاج إلى توعية لا إلى المنع، من خلال تعليم الأبناء كيفية التعامل مع المحتوى الرقمي وعدم قياس قيمتهم بعدد المتابعين أو الإعجابات. وتؤكد أهمية أن يكون للأبناء عالم واقعي متنوع يضم الرياضة والقراءة والهوايات والوقت العائلي.

ويرى خلفان الغول، ولي أمر، أن التنشئة السليمة لا تعني إبعاد الأبناء عن الصعوبات، وإنما إعدادهم للتعامل معها سواء في البيت أو المدرسة، من خلال منحهم فرصاً مناسبة لأعمارهم لاتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. ويؤكد أن الطفل يحتاج إلى التوجيه.

لكنه يحتاج كذلك إلى مساحة للتجربة ومعرفة نتائج اختياراته، لأن التعامل الهادئ مع الأخطاء يحولها إلى فرص للتعلم بدلاً من أن تصبح مصدراً للخوف. ويشير إلى أهمية وجود قواعد واضحة داخل المنزل تنظم الدراسة والنوم واستخدام الأجهزة والواجبات اليومية، مع الحفاظ على الحوار والمرونة بعيداً عن الأوامر والعقاب المستمر.

مختصون يحذرون من الاستخدام المفرط للأجهزة والشاشات

بناء تقدير ذات متوازن من خلال رسائل إيجابية واقعية

ضرورة الانتباه إلى تغير المزاج والانعزال وفقدان الاهتمام بالأنشطة

تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمختصين يحقق النتيجة المرجوة