محمد بن راشد.. حين يصبح القائد معلّماً‎

‎

في يوم المعلّم العالمي، وعلى وقع رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى المعلّمين، نرفع إلى سموّه ‏كلمة عرفان: علّمتنا أن الطموح زاد النجباء في رحلة المستقبل، وأن المركز الأول منزلةٌ تُنتزَع بالعمل وتُصان بالمثابرة، ‏وأن المستقبل أرضٌ نصوغها بأيدينا، وأن المستحيل عقبةٌ تذلّ لمن صدقت عزيمته؛ فالإنجازات الكبرى تولد فكرةً، ثم تشتدّ ‏إرادةً، ثم تكتمل عملاً لا يعرف التردد.‏‎

من المعلّمين من عرفناهم في قاعات الدرس، ومنهم من تغدو تجاربهم دروساً في مدرسة الحياة الكبرى. ومحمد بن راشد ‏في طليعة هؤلاء، فقد صارت سيرته مدرسةً قائمة بذاتها في القيادة والطموح وصناعة الغد.‏‎

وقد رأينا دروسه رأيَ العين؛ مشاريع خرجت من رحاب الأفكار إلى فضاء الواقع، وتحديات انقلبت فرصاً، وثقافة جعلت ‏التطوير الدائم سنّةً في العمل، ويقيناً راسخاً بأن أجلّ الاستثمار ما كان في الإنسان.‏‎

ومن هنا ندرك المنزلة التي يتبوّؤها التعليم والمعلّم في فكر سموّه. فبناء المستقبل يبدأ ببناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ ‏بعقلٍ يتعلّم، ونفسٍ تثق بقدرتها، ومعلّمٍ يُبصر في تلميذه ما لم يُبصره التلميذ في نفسه بعد.‏‎

ولعلّ أبهى ما حملته رسالة سموّه إلى المعلّمين دعوتُه إياهم إلى «إشعال الشغف». ففي زمنٍ صارت فيه المعرفة على ‏مسافة ثوانٍ، وتبدّلت فيه أدوات التعليم بفعل التقنية والذكاء الاصطناعي، يبقى للمعلّم دورٌ تقصُر عنه الآلة مهما بلغت؛ وهو ‏أن يؤمن بتلميذه، ويستكشف موهبته، ويحوّل خوفه ثقةً، ويغرس فيه حبّ السؤال وشغف المعرفة.‏‎

ورُبّ شرارةٍ يقدحها معلّمٌ اليوم في عقل تلميذ، تغدو بعد سنين اختراعاً أو اكتشافاً أو مشروعاً أو إنجازاً ينتفع به وطنٌ ‏بأسره. والتلميذ الذي أحبّ العلم تمتدّ رحلته إلى ما بعد المدرسة والجامعة، فيظلّ يتعلّم ويرتقي بنفسه ما امتدّ به العمر.‏‎

في مدرسة محمد بن راشد تعلّمنا أن الإنسان قادرٌ على تخطّي ما يحسبه حدوداً لطاقته. وتعلّمنا أن النجاح صنيعُ كل يوم، ‏وأن ذروة الإنجاز أن تُعِدّ جيلاً يمضي إلى أبعد مما بلغت، فيتصل نجاحك بمن يأتي بعدك.‏‎

ولهذا، حين نقول إن محمد بن راشد «معلّمنا الأول»، فإنما نصف أثراً يعلو على الألقاب. هو أثرُ مدرسةٍ في القيادة علّمت ‏الأجيال أن الأحلام الكبيرة في متناول العزائم الصادقة. وأثرُ مدرسةٍ في الإدارة جعلت التميّز رحلةً متجددة تتوالى ‏محطاتها. وأثرُ مدرسةٍ في الحياة رسّخت أن قيمة كل امرئ فيما يضيفه إلى وطنه وإلى حياة الناس من حوله.‏‎

وفي يوم المعلّم العالمي، نقول لكل معلّم آمن بتلميذ، واكتشف موهبة، وزرع ثقة، وأشعل شغفاً؛ أنت تصنع المستقبل الذي ‏ستعيشه الأجيال من بعدك.‏‎

والشكر موصولٌ لكل معلّم جعل من قاعة الدرس مهداً لحلم، وبنى الشخصية قبل أن يمنح الشهادة، وحض العقل على ‏التفكير، وغرس في النفوس حبّاً للعلم لا ينضب.‏‎

في هذا اليوم يحضر معلّمنا الأول، محمد بن راشد، بكلماته، وبما هو أبقى من الكلمات؛ بالإيمان الذي زرعه فينا بأننا ‏قادرون.‏‎

لقد علّمنا سموّه أن أعظم ما يشيّده الإنسان، وإن طاولت أبراجه عنان السماء، إنسانٌ لا يجد المستحيل إلا في قواميس ‏غيره. وتلك عظمة المعلّم؛ أن يبني في الإنسان ما يبني به الإنسانُ وطناً.‏