عندما يصبح التصميم لغة لجودة الحياة

قد يختلف أفراد الأسرة في أعمارهم واهتماماتهم وأنماط حياتهم، لكنهم يجتمعون جميعاً في مكان واحد يسمونه «المنزل».

وفي هذا المكان تبدأ تفاصيل الحياة اليومية؛ طفل يتعلم خطواته الأولى، وشاب يعمل أو يدرس من منزله، ووالدان يسعيان إلى توفير بيئة آمنة ومستقرة لأبنائهما.

وربما أحد كبار السن، الذي يرغب في الحفاظ على استقلاليته في الحركة داخل منزله لأطول فترة ممكنة، وينظر كل واحد منهم إلى المنزل من زاوية مختلفة، لكن الجميع يبحث عن الشعور ذاته: الراحة، والأمان، والانتماء.

ولهذا، لم يعد نجاح المسكن يُقاس فقط بجمال تصميمه أو اتساع مساحاته، بل بقدرته على خدمة جميع من يعيشون فيه، باختلاف احتياجاتهم وظروفهم.

ومن هنا برز مفهوم التصميم الشامل، الذي يقوم على إنشاء بيئات سكنية، يسهل استخدامها بصورة طبيعية من قبل أكبر شريحة ممكنة من الناس، من دون الحاجة إلى حلول خاصة أو تعديلات متكررة كلما تغيرت ظروف الأسرة.

ولا يقتصر هذا المفهوم على فئة معينة، كما قد يظن البعض، بل يخدم الجميع، فالممرات المريحة، والإضاءة المدروسة، وسهولة الحركة بين الفراغات.

ووضوح توزيع المساحات، والاهتمام بعوامل السلامة، جميعها عناصر تجعل الحياة اليومية أكثر سهولة لجميع أفراد الأسرة، سواء كانوا أطفالاً، أو بالغين، أو كباراً في السن، أو من أصحاب الهمم، فالتصميم الجيد لا يميز بين مستخدم وآخر، بل يمنح الجميع تجربة سكنية أكثر راحة واستقلالية.

وقد أصبحت هذه الفلسفة جزءاً أساسياً من التوجهات العالمية في التخطيط العمراني والإسكان، انطلاقاً من قناعة متزايدة بأن المدن الناجحة هي التي تُصمم للإنسان قبل أن تُصمم للمباني.

ولذلك تتجه العديد من الدول إلى دمج مبادئ التصميم الشامل في السياسات العمرانية والمعايير الهندسية، بما يضمن أن تكون المساكن أكثر قدرة على مواكبة التغيرات الطبيعية في حياة السكان، وأكثر استعداداً لخدمة المجتمع على المدى الطويل.

ولا تتوقف فوائد هذا النهج عند حدود الراحة، بل تمتد إلى تعزيز الاستقرار الأسري، فعندما يستطيع أفراد الأسرة استخدام المنزل بسهولة، والانتقال بين مساحاته بأمان، والتكيف مع تغير احتياجاتهم من دون الحاجة إلى تعديلات كبيرة، يصبح المسكن أكثر قدرة على احتضان الأسرة عبر مختلف مراحل حياتها.

وهذا يعني تقليل التكاليف المستقبلية، وإطالة العمر الوظيفي للمنزل، وتعزيز شعور السكان بالاستقرار والانتماء.

كما يسهم التصميم الشامل في بناء مجتمعات أكثر ترابطاً، فالمسكن ليس وحدة مستقلة عن محيطه، بل هو جزء من حي سكني، ومدينة، ومنظومة اجتماعية متكاملة، وكلما صُممت البيئات السكنية لتكون أكثر سهولة في الاستخدام وشمولاً ارتفعت جودة الحياة، وتعززت المشاركة المجتمعية، وأصبحت المدن أكثر قدرة على استيعاب التنوع الإنساني الذي يميزها.

ومع التغيرات الديموغرافية المتسارعة، وارتفاع متوسط الأعمار في كثير من دول العالم، لم يعد السؤال ما إذا كنا بحاجة إلى مساكن أكثر شمولاً، بل كيف نجعل هذا المفهوم جزءاً طبيعياً من كل مشروع سكني جديد.

فالتصميم الذي يراعي احتياجات الإنسان منذ البداية لا يوفر الراحة فقط، بل يقلل الحاجة إلى التعديلات المستقبلية، ويمنح الأسرة مرونة أكبر في مواجهة تغيرات الحياة. وتنسجم هذه الرؤية مع نهج دبي في جعل جودة الحياة محوراً للتنمية العمرانية.

حيث تؤكد أجندة دبي الاجتماعية 33 أهمية بناء مجتمع أكثر تماسكاً ورفاهية، وتمكين الأسرة باعتبارها أساس التنمية، كما تدعم خطة دبي الحضرية 2040 إنشاء أحياء سكنية أكثر استدامة وملاءمة للعيش، ترتكز على الإنسان قبل أي اعتبار آخر، وتوفر بيئات عمرانية، تعزز الصحة، والتفاعل المجتمعي، والاستقرار طويل الأمد.

وفي النهاية لا يُقاس نجاح المنزل بعدد الغرف التي يضمها، ولا بارتفاع أسواره، ولا بحداثة تقنياته، بل بقدرته على أن يشعر كل من يعيش فيه بأنه صُمم من أجله.

فالمنزل الحقيقي هو الذي لا يطلب من الإنسان أن يتكيف معه، بل يتكيف هو مع الإنسان، ويمنحه في كل مرحلة من حياته شعوراً دائماً بالأمان والكرامة والانتماء.. مستقبل الإسكان يبدأ اليوم.

مؤسسة محمد بن راشد للإسكان