شاشة الهاتف أطفأت بريق «المانشيت» والصفحة الأولى

دبي - رحاب حلاوة ونورا الأمير

لم يعد القارئ ينتظر الصفحة الأولى أو يركض إلى «كشك الصحافة» لشراء صحيفته المفضلة كل صباح لتخبره بما هو أهم، فالخبر بات يسبق إلى هاتفه، رغم المخاوف من مصداقية الإشعار العاجل، أو مقطع الفيديو، أو المنشور العابر على منصة اجتماعية، مما يطرح السؤال، هل انطفأ بريق الصفحة الأولى التقليدية؟

وسط التأكيد أن الإعلام التقليدي يحظى بالثقة الأكبر ويواكب المرحلة بمواقع وحسابات إلكترونية نشطة. وأكد إعلاميون أن الإعلام التقليدي يحظى بالثقة الأكبر ويواكب المرحلة بمواقع وحسابات إلكترونية نشطة، وأن «المانشيت» انتقل من أعلى صفحات الجريدة إلى شاشة لا تتجاوز بضع بوصات.

اهتمام الجمهور

قالت الإعلامية إيمان علاوي من البحرين، إن الصفحة الأولى لم تكن تاريخياً مجرد تصميم يضم عدداً من الأخبار والصور.

وإنما كانت تعبيراً عن توجه تحريري تحدد من خلاله المؤسسة ما تعتبره الحدث الأهم والقضية التي تستحق أن تتصدر اهتمام الجمهور.

وأضافت أن الذي تغير اليوم هو قدرة الصفحة الأولى على احتكار بداية رحلة القارئ مع الخبر، إذ يمكن أن يعرف المستخدم الحدث من إشعار، ثم يشاهد مقطعاً عنه على إحدى المنصات، وبعد ذلك ينتقل إلى المادة الصحفية للحصول على التفاصيل.

وأكدت أن تراجع احتكار الصفحة الأولى لا يعني تراجع قيمة القرار التحريري، بل يجعله أكثر أهمية، لأن المؤسسة لم تعد تنافس المؤسسات الإعلامية الأخرى فقط، وإنما تنافس كل ما يظهر أمام المستخدم على شاشة هاتفه.

لكنها تظل تحتفظ بمصداقيتها وخاصة في الأخبار الرسمية والتي تمس المجتمع وأمن البلاد في ظل الأخبار المضللة والمزيفة، التي يسهل نشرها عبر الحسابات والمواقع.

وأوضحت أن «المانشيت» بدوره لم يمت، إنما غير مكانه وشكله، فأصبح من الممكن أن يكون عنواناً رقمياً أو إشعاراً قصيراً أو بداية فيديو، فيما تظل وظيفته الأساسية جذب الجمهور إلى قصة تستحق اهتمامه من دون التضحية بالدقة أو الوقوع في الإثارة المضللة.

صفحة شخصية

وقالت الأكاديمية بمجال الاتصال والإعلام، الدكتورة نوال بن عسكر النقبي، أستاذ في جامعة الشارقة - كلية الاتصال، إن التحول الأكثر تأثيراً يتمثل في انتقال الإعلام من صفحة أولى واحدة يراها جمهور واسع، إلى تجربة إخبارية شديدة الخصوصية، إذ لم يعد جميع القراء يرون الأخبار نفسها أو بالترتيب ذاته.

وأوضحت أن المستخدم يتحرك اليوم بين منصات متعددة ويتلقى محتوى يتأثر باهتماماته وسلوكه وتفاعلاته، وهو ما جعل تجربته الإخبارية تختلف عن تجربة مستخدم آخر حتى لو كانا يتابعان بعض المصادر نفسها.

وأكدت أن هذا الواقع يفرض مسؤولية إضافية على المؤسسات، لأن الصحافة لا ينبغي أن تقدم للجمهور فقط ما يفضله، وإنما كذلك ما يحتاج إلى معرفته.

مشيرة إلى أن الصفحة الأولى التقليدية كانت تتيح للقارئ اكتشاف موضوعات لم يذهب إلى الصحيفة بحثاً عنها أصلاً.

وأضافت أن الحفاظ على هذه الوظيفة في البيئة الرقمية يمثل أحد أهم تحديات الإعلام، إذ ينبغي ألا يعيش المستخدم داخل دائرة مغلقة من اهتماماته السابقة، بل يجب أن تصل إليه القضايا التي تمس مجتمعه حتى إن لم يبحث عنها بنفسه.

تدفق المعلومات

وأكد الإعلامي جيرارد الفيل، أن الثقة أصبحت العملة الأهم في العلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، في ظل التدفق الهائل للمعلومات وتعدد المنصات.

مشيراً إلى أن القارئ لم يعد ينتظر وصول الخبر إليه، بل يبحث بنفسه عن المعلومات ويقارن بين ما تنشره المصادر الموثوقة قبل أن يكوّن رؤيته تجاه الأحداث.

وقال إن الاعتماد على مصدر إعلامي واحد لم يعد كافياً لفهم عالم شديد التعقيد والتغير، موضحاً أن القراءة المتقاطعة بين مصادر موثوقة ومتنوعة تمنح الجمهور صورة أكثر شمولاً.

وتساعده على التمييز بين الخبر والرأي، وتقلل من احتمالات الوقوع تحت تأثير زاوية واحدة في تناول الأحداث. وأضاف الفيل: «الثقة هي التي تقود اختيارات الجمهور اليوم.

لكن الثقة لا تعني أن نحصر أنفسنا في وسيلة واحدة، لذا علي قراءة مصادر موثوقة ومتنوعة، والبحث في الموضوع نفسه من أكثر من زاوية، لأنني أريد أن أعرف المعلومة وكيف يراها الآخرون أيضاً»، مؤكداً أن من يكتفي بمصدر واحد للمعلومات قد يحرم نفسه من رؤية الصورة الكاملة للأحداث.

وأفادت هبة المهندس، إعلامية سودانية تعمل في المجال الإعلامي في الإمارات، بأن مفهوم العنوان الصحفي لم يعد ثابتاً كما كان في وسائل الإعلام التقليدية، بل تطور مع صعود منصات التواصل الاجتماعي ليأخذ شكلاً جديداً أصبح أداة أساسية لجذب انتباه المتلقي ودفعه إلى التفاعل مع المحتوى وقراءة الخبر كاملاً.

وأوضحت أن معظم الصحف والمؤسسات الإعلامية باتت تمتلك اليوم مواقع إلكترونية وحسابات نشطة على منصات التواصل الاجتماعي.

وهو ما فرض تغييراً في طريقة تقديم الأخبار، إذ لم يعد كافياً الاكتفاء بعنوان تقليدي، بل أصبح من الضروري صياغة مدخل لافت قد يكون في صورة سؤال مثير، أو معلومة مفاجئة، أو جملة صادمة ومدروسة تستوقف المتلقي وسط الكم الهائل من المحتوى الذي يمر أمامه يومياً.

وقالت إن الأدوات تغيرت والمصطلحات تطورت، لكن الهدف الأساسي للإعلام بقي واحداً، وهو الوصول إلى الجمهور وإيصال المعلومة إليه.

مشيرة إلى أن الصحفي قد يمتلك خبراً مهماً ومعلومة ذات قيمة، إلا أن ضعف طريقة تقديمها على منصات التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى مرور المتلقي عليها من دون أن ينتبه إليه.

الانفراد أولاً

وأكد الخبير الإعلامي أحمد الطاهري، رئيس تحرير مجلة «روز اليوسف» المصرية سابقاً، أن المانشيت الصحفي لا يزال قادراً على صناعة أجندة الجمهور وجذب انتباهه.

لكن بشرط أن يحمل قصة مختلفة وانفراداً حقيقياً يضيف إلى القارئ، محذراً من أن إعادة تدوير ما سبق تداوله على المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي تفقد المانشيت تأثيره، وتحوله إلى مجرد «تكرار في مطبوع».

وقال إن قوة المانشيت اليوم لم تعد في ضخامة العنوان أو صياغته اللافتة وحدها، وإنما في حجم ما يقف خلفه من صناعة صحفية حقيقية، موضحاً:

«إذا كان المانشيت يحمل انفراداً وقصة مصنوعة صحفياً وتفاصيل لا يجدها الجمهور في عشرات المداخل الأخرى للخبر، فإنه يحتفظ بقيمته ورونقه، أما إذا افتقد هذه العناصر فسيواجه تحديات كبيرة للغاية».

وأشار الطاهري إلى أن معايير صناعة المانشيت تغيرت بالتوازي مع تغير طبيعة الجمهور، الذي لم يعد «جمهوراً كلاسيكياً»، وإنما أصبح أكثر ميلاً إلى اللغة المباشرة والإجابة السريعة.

وخصوصاً مع امتلاكه عبر هاتفه أدوات وبرامج ذكاء اصطناعي تستطيع تقديم إجابات فورية عن أسئلته. وأضاف أن هذا التحول يفرض على الصحافة الانتقال بالمانشيت من مجرد إخبار القارئ بما حدث إلى تقديم قيمة أعمق تجيب عن أسئلته وتفسر له ما وراء الخبر.

مؤكداً أن تعدد الطرق التي يصل من خلالها الجمهور إلى المعلومة لا يلغي دور المانشيت، بل يرفع سقف المنافسة أمامه ويجعل «الانفراد والصناعة الصحفية والعمق» عناصر أساسية لاستمرار تأثيره.

واجهات متعددة

وقال أيمن صقر، مدير تحرير وكالة أنباء الشرق الأوسط المصرية، إن الحديث عن اختفاء الصفحة الأولى يتجاهل حقيقة أنها أصبحت موجودة اليوم في أماكن أكثر من أي وقت مضى، إذ يمتلك الموقع واجهته.

والتطبيق واجهته، والمنصات الاجتماعية واجهاتها، فيما يمثل إشعار الهاتف أحياناً أول لقاء بين المستخدم والقصة.

وأوضح أن المؤسسة الناجحة ليست التي تحاول نقل شكل الصفحة الورقية إلى الهاتف، وإنما التي تنقل «منطق الصفحة الأولى» إلى البيئة الجديدة، بما يتضمن الاختيار والأولوية والدقة والتوازن.

وأشار إلى أن القصة الواحدة يمكن تقديمها اليوم عبر أكثر من مدخل، فتصل إلى مستخدم في فيديو قصير، وإلى آخر في إشعار.

فيما يذهب قارئ ثالث مباشرة إلى التحقيق الكامل، وهو ما يمنح المؤسسات فرصة لتوسيع جمهور القصة بدلاً من اختزالها في قالب واحد.

وأكد أن هذا التحول يفرض بدوره تغييراً في طريقة عمل الصحفي، الذي لم يعد مطالباً بالتفكير فقط في كتابة الخبر، وإنما في رحلة الخبر كاملة، وكيف يمكن أن يصل إلى الجمهور عبر منصات مختلفة مع الحفاظ على جوهره وسياقه ومصداقيته.