دبي والإبداع.. حكاية ممتدة

تقف جائزة الإعلام العربي أمام محطة استثنائية مع احتفالها بيوبيلها الفضي، في وقت يمر فيه الإعلام العربي والعالمي بواحدة من أكثر مراحله تحولاً وتعقيداً.

الجائزة التي عاصرت، على مدى ربع قرن، انتقال المهنة من عصر الصحافة الورقية إلى الفضائيات والمواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى الرقمي، ظلت طوال هذه التحولات واحدة من أبرز ساحات التنافس المهني في العالم العربي.

ويأتي الاحتفال باليوبيل الفضي ضمن فعاليات قمة الإعلام العربي التي تنطلق في دبي اليوم في لحظة تبدو فيها مراجعة مسيرة الجائزة وقياس أثرها واستشراف مستقبلها أكثر أهمية من مجرد الاحتفاء بذكرى تأسيسها.

بوصلة للجودة

منذ انطلاقتها عام 1999 بمبادرة من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، استطاعت الجائزة أن تتحول تدريجياً إلى مرجعية مهنية بارزة لقياس جودة العمل الصحافي والإعلامي في العالم العربي، ومحفز للمؤسسات والأفراد على الارتقاء بمستوى المنتج الإعلامي والالتزام بمعايير الجودة والمهنية.

وعلى مدار عقدين ونصف العقد، تجاوزت الجائزة كونها منصة للتكريم السنوي، لتصبح مشروعاً مهنياً يواكب التحولات المتسارعة في صناعة الإعلام، كما شهدت الجائزة تطوراً متواصلاً في فئاتها، لتواكب اتساع مفهوم العمل الإعلامي وتنوع أدواته، وصولاً إلى الإعلام المرئي والرقمي، بما يعكس التحول الذي شهدته صناعة المحتوى وتغير طرق إنتاجه واستهلاكه.

بيئة تنافسية

وفي قراءة لأبعاد هذا الإنجاز، يرى خبراء وقيادات إعلامية أن الجائزة أسهمت في خلق بيئة تنافسية دفعت نحو تحسين جودة المنتج الصحافي والإعلامي العربي، ورسخت لدى أجيال متعاقبة من الصحافيين قيمة التميز باعتباره جزءاً من التطور المهني وليس مجرد طريق إلى الفوز بجائزة.

ويشير عدد من القيادات الإعلامية وأعضاء لجان التحكيم إلى أن استمرار الجائزة طوال هذه السنوات يرتبط، إلى حد كبير، بقدرتها على مواكبة التطورات المتسارعة في صناعة الإعلام، والانتقال من التركيز على الصحافة الورقية إلى استيعاب الصحافة الرقمية والإعلام المرئي وأدوات التكنولوجيا الحديثة.

كما يرى إعلاميون أن الجائزة شكلت حافزاً للصحافيين، لا سيما الشباب، لملاحقة القضايا بعمق أكبر، والاعتماد على البحث والتحقيق والتوثيق والبيانات، والابتعاد عن المعالجة السطحية، ما أسهم في تعزيز حضور نماذج مهنية جديدة داخل غرف الأخبار العربية.

وسام مهني

ويؤكد خبراء الإعلام أن مكانة الجائزة لم تتشكل فقط من خلال عدد دوراتها أو المشاركات التي استقطبتها، وإنما من القيمة المهنية التي اكتسبها الفوز بها، إذ أصبح التكريم بالنسبة إلى كثير من الصحافيين والمؤسسات بمنزلة اعتراف مهني بجودة العمل وتميزه.

كما يبرز في هذا السياق الدور الذي أدته الجائزة في ترسيخ قيم المهنية والموضوعية والدقة والتوثيق، من خلال الاحتفاء بالأعمال التي تقدم معالجة مختلفة وعميقة للقضايا.

وهو ما منحها دوراً يتجاوز التكريم إلى تشجيع الممارسات الصحافية التي تحتاج إليها المهنة في مواجهة انتشار الأخبار المضللة والمحتوى غير الموثوق.

ويرى خبراء أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة تطوير فئات الجائزة ومعاييرها بما يستوعب أشكالاً جديدة من العمل الصحافي، مع إيلاء اهتمام أكبر للصحافة الاستقصائية، وصحافة البيانات، والتحقيقات الرقمية ومتعددة الوسائط، والمحتوى التفسيري، إلى جانب وضع معايير واضحة للاستخدام المسؤول والشفاف للذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى الصحافي.

مستقبل الصحافة

كما تبرز أهمية تعزيز الصلة بين الجائزة والمؤسسات الأكاديمية وكليات الإعلام العربية، والاستفادة من الأعمال الفائزة بوصفها نماذج مهنية يمكن دراستها وتحليلها وتقديمها للأجيال الجديدة، بما يحول الجائزة من منصة للاحتفاء بالتميز إلى مساحة أوسع لتبادل المعرفة والخبرات وتطوير الممارسة الإعلامية.

وفي ظل التحديات الاقتصادية والتقنية التي تواجه المؤسسات الصحافية، تبدو الحاجة قائمة أيضاً إلى توسيع النقاش حول مستقبل الصحافة الرصينة واستدامتها، وكيف يمكن للجائزة أن تسهم في دعم النماذج المهنية القادرة على الابتكار والتكيف مع المتغيرات، من دون التفريط في جوهر المهنة وقيمها الأساسية.

تشجيع التجديد

بداية، يرى وليد جاسم الجاسم، رئيس تحرير صحيفة «الرأي» الكويتية، أن دبي والإبداع يمثلان حكاية ممتدة، ارتبطت فيها الإمارة على مدى عقود بفكر يقوم على تجاوز النماذج التقليدية وصناعة التجارب القابلة للاحتذاء، وهو ما انعكس أيضاً على رؤيتها للإعلام العربي وضرورة الارتقاء به مهنياً وإبداعياً.

ويشير الجاسم إلى أن هذا التوجه كان وراء الالتفات المبكر إلى الإعلام العربي، وإطلاق جائزة الصحافة العربية في نوفمبر 1999، بهدف تحفيز الصحافيين والمؤسسات على مغادرة القوالب التقليدية والانتقال إلى مساحات أوسع من التجديد، من دون المساس بأساسيات المهنة وقواعدها المهنية.

ويرى أن الجائزة لم تكن مجرد منصة لتكريم الأعمال المتميزة، وإنما جاءت لتطرح أسئلة مهمة حول كيفية تطوير الإعلام، وتشجيع التجديد، وخلق مساحات مشتركة للتواصل بين الإعلاميين والصحافيين العرب.

ويؤكد أن مسيرة الجائزة عكست منذ بدايتها حرصاً على تعزيز المهنية في الأعمال المتنافسة، من خلال التركيز على عناصر مثل التحليل، والموضوعية، والعمق، والجهد الميداني، والتوثيق، والتنوع، بما يجعل التميز الإعلامي قائماً على جودة العمل ومضمونه، وليس على مجرد الشكل أو الوسيلة المستخدمة في تقديمه.

ويلفت الجاسم إلى أن تطور الجائزة من جائزة الصحافة العربية إلى جائزة الإعلام العربي شكّل محطة مهمة في مسيرتها، إذ وسعت نطاق المنافسة لتشمل الإعلام المرئي والإعلام الرقمي، بما يعكس التحولات التي شهدتها صناعة الإعلام وانتقال الجمهور إلى منصات ووسائل جديدة.

ويعتبر أن هذا التطور يؤكد إدراكاً مبكراً لحقيقة أن الإعلام لم يعد محصوراً في الصحيفة المطبوعة، وأن تعريف الصحافي المحترف أصبح مرتبطاً بقدرته على إنتاج محتوى مهني مؤثر، بصرف النظر عن الوسيلة التي يصل من خلالها إلى الجمهور.

ويرى أن الجائزة، بما راكمته من خبرة وتجارب، مطالبة بمواصلة هذا النهج مع التطورات المتسارعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي، بحيث يتم توظيف الأدوات الجديدة في خدمة الصحافة، ضمن أطر واضحة تحافظ على المهنية والأخلاقيات والمسؤولية الإعلامية.

تكريس قيمة

ويصف عماد الدين حسين، رئيس تحرير صحيفة «الشروق» المصرية، جائزة الصحافة العربية بأنها واحدة من أهم الجوائز الصحافية في العالم العربي، مؤكداً أنها نجحت على مدى ربع قرن في تكريس قيمة التميز المهني، ودعم وتشجيع الصحافيين والكتاب والإعلاميين، قبل أن تتوسع تدريجياً لتواكب التحولات الكبرى التي شهدتها صناعة الإعلام.

وتكتسب شهادة حسين أهمية خاصة من كونه شاهداً على البدايات الأولى للجائزة؛ فعندما انطلقت في نوفمبر 1999، كان يعمل صحافياً في «البيان»، وعاصر مراحل تأسيسها الأولى وحضر معظم دوراتها خلال فترة عمله في الإمارات، قبل أن يعود إلى القاهرة للمشاركة في تأسيس «الشروق» 2008.

ولم تتوقف علاقته بالجائزة عند المتابعة، إذ شارك لاحقاً محكماً في عدد من دوراتها، خصوصاً في فئات الصحافة السياسية والاقتصادية والتحقيقات الصحافية.

ومن واقع هذه التجربة الممتدة، يشهد حسين بأن الجائزة حرصت على تطبيق معايير مهنية في فرز الأعمال واختيار الفائزين، موضحاً أن المنافسة في الفئة الواحدة كانت تشهد مشاركة مئات، قبل أن تمر بعمليات تصفية دقيقة وصولاً إلى قائمة محدودة تعرض على لجان تحكيم متخصصة.

ويؤكد أن نتائج التحكيم التي كانت تصل إليها اللجان هي التي تعلن في النتائج النهائية، وأنه، خلال مشاركته في لجان التحكيم، لم يكن يعرف نتائج الفئات الأخرى إلا لحظة إعلانها، وهو ما يعزز، في تقديره، مستوى الموضوعية والأمانة الذي اتسمت به الجائزة.

ويرى حسين أن مراجعة سجل الفائزين على مدى السنوات الماضية تكشف عن أسماء وأعمال استحقت التكريم لما تميزت به من أفكار جديدة، ودقة وموضوعية، وقدرة على تقديم المعلومات والبيانات بصورة مهنية ومختلفة.

ويعتبر أن قيمة الجائزة لا تكمن فقط في تكريم أصحاب الأعمال المتميزة، وإنما في خلق معيار تنافسي يدفع الصحافيين إلى تطوير أدواتهم والارتقاء بمستوى ما يقدمونه للجمهور.

ويبرز حسين التحول الذي شهدته الجائزة خلال السنوات الأخيرة، مع انتقالها من التركيز الأساسي على الصحافة المطبوعة إلى احتضان الإعلام المرئي والرقمي، ثم مواكبة التطورات التكنولوجية والذكاء الاصطناعي.

أعمال أكثر عمقاً

ومن عمّان، يقول الكاتب الصحافي طلال غنيمات، رئيس تحرير صحيفة أخبار الأردن، مدير مؤسسة مسارات للتنمية، إن جائزة الصحافة العربية، على مدى 25 عاماً، أسهمت في ترسيخ قيمة المهنة ورسالتها ودورها في المجتمع، مضيفاً أن استمرارها طوال ربع قرن جعل منها إحدى أبرز المحطات العربية للاحتفاء بالصحافة المهنية وتعزيز حضورها.

وأضاف أن الجائزة أسهمت في بناء حالة من التنافس الإيجابي بين الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، وشكّلت حافزاً لتقديم أعمال صحافية أكثر عمقاً ومهنية وتأثيراً.

لافتاً إلى أن أهم ما ميّز تجربتها قدرتها على مواكبة التحولات المتسارعة التي شهدتها صناعة الإعلام، بدءاً من الصحافة التقليدية، مروراً بالصحافة الرقمية، وصولاً إلى عصر الذكاء الاصطناعي وتبدّل أنماط إنتاج الأخبار واستهلاكها.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة تستدعي توسيع دور الجائزة، والإسهام في صناعة مستقبل الصحافة العربية، من خلال دعم الصحافيين الشباب، والاستثمار في التدريب والتطوير المهني.

وتشجيع الصحافة الاستقصائية وصحافة البيانات، وتعزيز مهارات التحقق ومواجهة التضليل الإعلامي، إلى جانب ترسيخ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في العمل الصحافي.

وبيّن غنيمات أن الصحافة العربية تقف اليوم أمام تحدٍ غير مسبوق يتمثل في المحافظة على المصداقية والعمق والقدرة على التأثير.

في ظل تسارع دورة الأخبار وتدفق المحتوى الرقمي بصورة غير مسبوقة، معتبراً أن هذه التحولات تجعل الحاجة إلى الصحافة المهنية أكثر إلحاحاً، لا أقل.

تطوير

ويرى محمد بسام الحسيني، مدير تحرير جريدة «الأنباء» الكويتية، أن جائزة الصحافة العربية تحتاج في مرحلتها المقبلة إلى تطوير، لتشمل الفئات وآليات التقديم والاختيار، بما يجعلها أكثر جذباً للمشاركين وأكثر قدرة على مواكبة التحولات الكبيرة التي يشهدها الإعلام.

ويشير الحسيني إلى أهمية تنظيم وحفظ السجل الذهبي للجائزة بصورة تليق بتاريخها وريادتها، على غرار الجوائز الصحافية المرموقة عالمياً، بما يتيح الاستفادة من تراكمها التاريخي، وعدم حصر إنجازات دوراتها السابقة في لحظة إعلان النتائج.

ويؤكد أن تبسيط الفئات قد يكون أحد المسارات المهمة لتطوير الجائزة، مع التركيز على نوعية العمل الصحافي وجودته بدلاً من تصنيفه وفق المجالات التقليدية، السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية.

تجارب متنوعة

ومن المغرب، يرى د. فكري سوسان، رئيس تحرير النسخة الفرنسية لصحيفة «اليوم 24» المسؤول عن الصحيفة باللغة الإسبانية، أن الجائزة نجحت في الانتقال من كونها موعداً سنوياً لتوزيع الجوائز إلى منصة عربية للاعتراف بالعمل الصحافي الجيد.

وهو تحول مهم في تقديره، لأن الصحافي يحتاج، إلى جانب تقدير مؤسسته وجمهوره، إلى فضاء مهني أوسع يقدّر جهده ويمنحه فرصة للوصول إلى قراء خارج حدود بلده.

ويرى سوسان أن الجائزة وفرت للصحافيين والمؤسسات المغربية نافذة إضافية للحضور على الساحة العربية، وأسهمت في التعريف بتجارب مهنية تتسم بالتعدد اللغوي والثقافي، وتهتم بالقضايا السياسية والاجتماعية والحقوقية.

كما ساعدت، بحسب تقديره، في بناء جسور بين الصحافة المغربية ونظيراتها العربية، في ظل مسافة ظلت قائمة بدرجات متفاوتة بين المشرق والمغرب حتى داخل المجال الإعلامي.

ويدعو سوسان إلى التعامل بواقعية مع حدود ما يمكن أن تحققه الجوائز المهنية، موضحاً أنها تستطيع تشجيع الجودة وتكريم المتميزين، لكنها لا تستطيع بمفردها معالجة الأزمات الهيكلية التي تواجه الصحافة العربية.

وفي مقدمتها ضعف الموارد، وهشاشة أوضاع الصحافيين، وتراجع الاستقلالية، وصعوبة الوصول إلى المعلومات.

ويؤكد أن المرحلة المقبلة تتطلب منح أهمية أكبر للصحافة الاستقصائية والعمل الميداني والصحافة المحلية وصحافة البيانات، إلى جانب التحقيقات العابرة للحدود، باعتبارها مجالات قادرة على إنتاج صحافة أكثر عمقاً وتأثيراً.

كما يرى أهمية إتاحة الأعمال الفائزة أمام الصحافيين الشباب، مع تقديم شروحات حول أسباب اختيارها، بحيث لا تظل الجائزة مساحة للتكريم فحسب، وإنما تتحول أيضاً إلى مجال للتعلم وتبادل الخبرات وتطوير الممارسة المهنية.