طرح صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، ثلاث نقاط سريعة لقيادات المستقبل الشابة حول التعامل مع الواقع الجديد في العالم، مؤكداً سموه أن القيادة في العالم الجديد لن تكون كالقيادة في العالم التقليدي الذي تعودنا عليه، وما أوصلنا إلى هنا ليس بالضرورة أن يوصلنا هناك، وهذه أول نقطة لابد أن يفهمها قادة المستقبل.
وجاء في الرسالة:
"رسالة إلى فريق عملي
القائم على تنفيذ خططنا، الساعي لإسعاد شعبنا، المثابر في رفعة بلادنا..
تحية لكم، وتقديري لجهودكم، وامتناني لمسيرة عملي معكم..
تحية لمن رافقوني في رحلة التطوير.. لمن كرسوا حياتهم لإسعاد الناس، وواصلوا الليل بالنهار من أجل راحة الإنسان، ورفعة الأوطان، ودفع المسيرة نحو الأمام.
أحببت أن أوجّه لكم هذه الرسالة حول مستقبل القيادة، لأنكم لستم موظفين حكوميين.. أنتم قادة..
من هو القائد الذي نريد في الزمن الجديد؟ من هو القائد الذي يستطيع التعامل مع تعقيدات المستقبل، وتحولاته الهائلة، وتغيراته المركبة؟
لم تعد التقنيات فقط هي التي تفرض التغيير خلال أشهر وأسابيع، بل حتى التغيرات السياسية والاقتصادية أصبحت متسارعة. ولم تعد التغيرات تحدث لوحدها، بل تتداخل مع بعضها لتشكل تغييرات مركبة. فالذكاء الاصطناعي قد يزيد الإنتاج، والإنتاج يؤثر في سوق العمل، وسوق العمل يؤثر في الاستقرار الاجتماعي للدول، وبالتالي في استقرارها السياسي، وقراراتها السياسية التي ستؤثر في الاستثمار في التكنولوجيا.. وهكذا، شبكة مترابطة من التأثيرات المتبادلة والمتزامنة.
ولذلك فإن قائد المستقبل ليس من يفهم التغيير فقط، بل من يستطيع العمل مع كل هذا التعقيد؛ لأن التحدي ليس في سرعة التغيير، بل في تغيّر أشياء كثيرة في الوقت نفسه، وهذا هو واقعنا اليوم.
علمتنا السنوات الأخيرة أن العالم مترابط بشكل أكبر بكثير من السابق؛ فقرار برمجي في شركة ناشئة قد يغيّر صناعة كاملة، واكتشاف في مختبر صغير قد يخلق سوقاً بمليارات الدولارات، وتغريدة واحدة في غرب العالم قد تُحدث هزة في أسواقه الشرقية. لم يعد حجم الحدث هو الذي يحدد أثره، بل موقعه داخل عالمنا الصغير المترابط.
القيادة في العالم الجديد لن تكون كالقيادة في العالم التقليدي الذي تعودنا عليه، وما أوصلنا إلى هنا ليس بالضرورة أن يوصلنا هناك، وهذه أول نقطة لابد أن يفهمها قادة المستقبل.
ولعلي أطرح ثلاث نقاط سريعة لقياداتنا المستقبلية الشابة حول التعامل مع الواقع الجديد في العالم:
النقطة الأولى: قائد المستقبل لا يبني خططاً طويلة الأمد ولا يضع استراتيجيات خمسية وعشرية، بل يبني مؤسسة قادرة على التكيف، وكوادر قادرة على التعلم، وقادرة على نسيان ما تعلموه والتعلم من جديد.
القيادة المستقبلية الناجحة ستكون في إتقان الجاهزية أكثر منها في دقة التنبؤ.
قائد المستقبل لن يكون لديه يقين حول المستقبل، لذلك لا يستعد لمستقبل واحد، بل يبني مؤسسة تستعد لعدة احتمالات؛ لأن المؤسسات الأكثر قدرة على الصمود هي المؤسسات التي تمتلك أكثر الخيارات.
قائد المستقبل لن تكون قوته في خبرته ومعرفته المتراكمة، بل في قدرته على طرح الأسئلة الصحيحة، واذا اعتقد أنه يعرف كل شيء عن المستقبل فسيكون أول ضحاياه.
النقطة الثانية: لا تنظر إلى فريق العمل كموارد، فالموارد اليوم هي الآلة التي تكتب وتحفظ وتؤرشف وتبرمج وتتابع العمليات. البشر اليوم أهم من ذلك، هم أساس الإبداع، وهم أصحاب الخيال، وهم مصدر الأفكار. والأفكار ستكون أغلى أصول المؤسسة.
كل موظف في المؤسسة قد يملك فكرة تغيّر مستقبل المؤسسة بشكل مذهل. المستقبل هو مستقبل الأفكار.
القائد التقليدي يراقب الموظفين، قائد المستقبل يحررهم ويطلق طاقاتهم.
القائد التقليدي يخاف من أخطائهم، قائد المستقبل يبني بيئة تسمح لهم بتجربة كل جديد.
القائد التقليدي يقدّس الانضباط، قائد المستقبل يغرس الثقة ويقدّس المبادرة. وكل قائد يقتل روح المبادرة يقضي على مستقبل مؤسسته.
النقطة الثالثة: عندما تصبح سرعة التغيير أكبر من سرعة استجابة المؤسسات، تبدأ المؤسسات بالتراجع والتخلف سريعاً.
في الماضي، كان الخطأ في القرار هو الخطر الأكبر في أي مؤسسة.. اليوم التأخر في القرار هو أكبر خطر.
قائد المستقبل لا يملك ساعات أكثر من غيره، لكنه يملك القدرة على تقليص الزمن بين الفكرة والتنفيذ، لأن لديه أكبر آلة لاختصار الزمن وهي الذكاء الاصطناعي.
التاريخ سيكافئ من يتحرك قبل اكتمال اليقين، فقرار جيد تأخذه اليوم أفضل من قرار مثالي تأخذه الشهر القادم.
هذه ثلاث نقاط سريعة لقيادات المستقبل حول مستقبل القيادة.
وأقول لهم القادم أسرع بكثير مما نتخيل، وسيكون قادمنا أجمل إذا استطعنا بناء ثقافة التكيف في مؤسساتنا ومهارات التعلم المستمر في كوادرنا، وأطلقنا الخيال والابتكار في بيئات عملنا".
والله الموفق أولاً وآخراً..
أخوكم،
محمد بن راشد آل مكتوم


