دعوة لإنشاء مؤسسات متخصصة لتدريب المؤثرين وتطوير مهاراتهم
المؤثر شريك أساسي في نقل الصورة وتعزيز الرسائل الوطنية
في خضم الأزمة التي عصفت بالمنطقة مؤخراً، لم تكن المواجهة مقتصرة على الميدان السياسي أو العسكري فحسب، بل امتدت إلى فضاء موازٍ لا يقل تأثيراً، وهو الفضاء الإعلامي الرقمي، والذي تشكلت فيه السرديات وتنافست الروايات، وبينما كانت المؤسسات الإعلامية الرسمية والمنصات المختلفة تمضي في ترسيخ سردية إعلامية واقعية، ظهر تباين لافت في مواقف المؤثرين، ما فتح الباب أمام تساؤلات أعمق حول طبيعة أدوارهم وحدود مسؤولياتهم.
تحليل
وفي هذا الإطار، عملت «البيان» عبر استطلاع آراء عدد من المؤثرين المشاركين في ملتقى المؤثرين الخليجيين، الذي عقد مؤخراً في دبي، على تحليل هذا التباين واستكشاف أبعاده، وفهم الأسباب التي أفرزت اتجاهين مختلفين، إذ اختارت فئة الحضور والتفاعل، سواء من خلال إعادة طرح السردية الإعلامية الرسمية أو بالنزول إلى الميدان لنقل الواقع كما هو، مع إضفاء بعد إنساني وتجريبي عزز من مصداقية الرسالة، في المقابل، فضلت فئة أخرى الغياب أو التزام الحياد، مبررة موقفها بعدم التخصص أو خشية الوقوع في أخطاء مهنية، وهو ما أثار نقاشاً واسعاً حول مدى كفاية هذه المبررات في لحظات تستدعي وضوحاً في الموقف وتحديداً في الاصطفاف.
هذا التباين لم يكن مجرد اختلاف في المواقف، بل يعكس إشكالية أعمق تتعلق بمدى جاهزية صناع المحتوى للتعامل مع الأزمات، فهل يفترض بالمؤثر أن يكون مؤهلاً أكاديمياً أو مهنياً لنقل السرديات الإعلامية، أم أن بإمكانه الاكتفاء بتقديم روايته الواقعية ضمن نطاق تخصصه.
تكامل
وفي هذا السياق أوضح محمد باهارون، المدير العام لمركز دبي لبحوث السياسات العامة، أن نقل السردية الإعلامية لم يعد حكراً على المؤسسات التقليدية، بل يتطلب تكاملاً فعالاً مع المؤثرين في منصات التواصل الاجتماعي، مشيراً إلى أن المرحلة تفرض صياغة سردية موحدة ومتماسكة، قادرة على الوصول إلى مختلف الجماهير عالمياً عبر أدوات متعددة، بما يعزز وضوح الرسالة وقوتها.
وأضاف: «إن المؤثرين يشكلون قناة حيوية للوصول إلى شرائح متنوعة، ما يجعل إشراكهم ضرورة استراتيجية، ولذلك جاء ملتقى المؤثرين الخليجيين إيماناً بأهمية توحيد الجهود وتعزيز دورهم في دعم الرسالة الإعلامية الخليجية».
وعي
من جانبه، قال الكاتب البحريني جعفر سلمان: «إن المرحلة الحالية تتطلب حضوراً مختلفاً للمؤثر، يقوم على الوعي والمعرفة، وامتلاك أدوات الخطاب الإعلامي الحديث، بما يمكنه من إيصال الحقيقة بلغة مبسطة وقريبة من الجمهور»، مشيراً إلى أن التحولات التي يشهدها الفضاء الرقمي جعلت من المؤثر عنصراً فاعلاً في تشكيل الوعي المجتمعي، بعد أن تجاوز دوره الإطار التقليدي المرتبط بالترفيه أو التفاعل اللحظي.
وأضاف أن المؤثر بات اليوم شريكاً أساسياً في نقل الصورة وتعزيز الرسائل الوطنية، من خلال الإسهام في ترسيخ الهوية، وتعزيز قيم الانتماء، إلى جانب إبراز المنجزات التنموية والصورة الحضارية، وخصوصاً في أوقات الأزمات التي تتطلب خطاباً مسؤولاً ومتزناً.
تدريب
وشدد سلمان على أهمية وجود مؤسسات متخصصة تعنى بتدريب المؤثرين وتطوير مهاراتهم، بما يضمن رفع مستوى الوعي المهني لديهم، ويعزز قدرتهم على التعامل مع القضايا المختلفة بحس وطني، لافتاً إلى أن التأهيل المنهجي يسهم في تحقيق التوازن بين سرعة النشر التي تفرضها المنصات الرقمية، ومتطلبات الدقة والمصداقية، وهو ما ينعكس إيجاباً على جودة المحتوى وثقة الجمهور.
ورأى أن الاستثمار في تدريب المؤثرين لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة، لبناء جيل قادر على توظيف أدواته الإعلامية بوعي ومسؤولية، بما يخدم المجتمع ويعزز من حضور السردية في الفضاء الرقمي.
من جانبه، قدم صانع المحتوى الإماراتي، أيمن العطار، قراءة أعمق لطبيعة دور المؤثر خلال الأزمات، معتبراً أن الإشكالية لم تكن في غياب المعلومة، بل في كيفية توظيفها.
وأوضح أن وسائل الإعلام الرسمية في دولة الإمارات ودول الخليج نجحت في تقديم سردية إعلامية متماسكة، مدعومة بالبيانات والحقائق، ما أتاح قاعدة معرفية موثوقة كان يمكن للمؤثرين الانطلاق منها، ليس فقط بإعادة النشر، بل بإعادة الصياغة والتحليل كل وفق مجاله.
تفاوت
وأشار إلى أن التباين في مواقف صناع المحتوى يعكس تفاوتاً في إدراك المسؤولية، حيث تعاملت فئة مع الأزمة باعتبارها لحظة تستدعي الحضور والمساهمة، فيما اختارت فئة أخرى الصمت.
وبين أن جزءاً كبيراً من المؤثرين يمتلكون تخصصات نوعية، في الاقتصاد أو التقنية أو غيرها، وكان بإمكانهم تحويل الخبرات إلى أدوات تفسير وشرح تساعد الجمهور على فهم أبعاد الأزمة، بدل الاكتفاء بالمحتوى المعتاد، فالمؤثر الاقتصادي، على سبيل المثال، قادر على تفكيك الأثر المالي للأحداث، كما يستطيع المختص التقني توضيح أبعاد الأمن السيبراني أو تدفق المعلومات، وهو ما يمنح السردية عمقا يتجاوز الطرح العام.
وأكد أن معيار التأثير لم يعد مرتبطاً بالانتشار فقط، بل بمدى القدرة على تقديم قيمة معرفية حقيقية في لحظات تتطلب وعياً وإدراكاً، فالمؤثر الحقيقي، بحسب رؤيته، هو من ينجح في توظيف منصته لخدمة وطنه ومجتمعه، عبر محتوى مسؤول يوازن بين الدقة والوضوح، ويسهم في بناء فهم أعمق لدى الجمهور، لا مجرد التفاعل مع الحدث.
توظيف
بدوره، قال صالح الكندي، صانع محتوى إماراتي، إنه يصنع سرديته بناءً على الوعي الذي اكتسبته من قراءاته ومتابعته المستمرة، وهذا الوعي يساعده على تقديم محتوى منظّم قائم على المنطق والعقلانية، بحيث يصل إلى المتلقي بشكل واضح ومقنع.
وأوضح أنه من خلال عمله في مجال الذكاء الاصطناعي، يحرص على توظيفه لخدمة المحتوى والمجتمع، عبر تقديم رسائل إبداعية مبنية على مصادر ومعلومات حقيقية، تلامس الشعور وتعكس الواقع.
ورأى أن هذا الدور لا يقتصر على تقديم محتوى فردي، بل يسهم بشكل مباشر في صناعة سردية موحّدة، خاصة في ظل ما أظهره المجتمع الإماراتي من وعي عالٍ خلال الأزمات، ما يعكس قدرة الأفراد على نقل صورة إيجابية ومسؤولة، تدعم تماسك المجتمع وتعزّز الخطاب الوطني.
تجربة
وبين وحيد رسول، صانع محتوى عماني في المجال الاقتصادي، أن الظروف الراهنة تعتبر تجربة جديدة، لكن كقطاع تجاري واقتصادي تعلّم منها الكثير، خصوصاً في كيفية الاستعداد للأزمات، وفهم مسارات التوريد، وأهمية التخزين، ورصد المؤشرات المبكرة لأي خلل قد يؤثر على الأعمال.
وأوضح أن هذه الدروس لا تبقى على مستوى الممارسة فقط، بل تمتد إلى دورهم في المحتوى، حيث أصبح من المهم نقل هذه الخبرات بطريقة واعية تسهم في صناعة سردية موحّدة، تساعد الأفراد والقطاعات على الاستعداد والتعامل مع الأزمات بشكل أفضل.
وأشار إلى أن بناء سردية موحدة أصبحت ضرورة، حول كيفية حماية الأعمال، مثل إدارة المخزون والاستعداد لأي توتر محتمل، بما يعزّز الوعي الجماعي ويقدّم صورة متماسكة ومسؤولة للمجتمع.
ثقة
وأكد حمد محمد الهاشمي، رئيس مجلس شورى شباب الشارقة وصانع محتوى، أنه في مثل هذه الأزمات، يصبح دور صناع المحتوى أساسياً في المساهمة بصناعة سردية موحّدة، من خلال تقديم محتوى مسؤول يعتمد على مصادر رسمية موثوقة، بما يعزز الوعي المجتمعي ويحد من انتشار الشائعات.
وأضاف أن صناع المحتوى لا ينقلون المعلومة فقط، بل يشاركون في توحيد الرسالة، عبر طمأنة المجتمع وإبراز قدرة الدولة على التعامل مع التحديات، وتقديم صورة واضحة ومتوازنة تعكس الواقع.
ورأى أن الابتعاد أو التزام الصمت في هذه الظروف لا يخدم هذا الهدف، لأن صناع المحتوى اليوم يشكّلون قوة مؤثرة، ودورهم يتجلى في توحيد الخطاب الإعلامي، ودعم دولتهم من خلال نشر المعلومات الصحيحة، بما يسهم في بناء سردية موحّدة تعزز التماسك المجتمعي وتقدّم صورة دقيقة أمام العالم.
