تجاوز المنصب وذوبان «الأنا» في «نحن»

فاطمة الشامسي
فاطمة الشامسي

في محراب الوطن، لا تُقاس قيمة الإنسان بما يحققه لنفسه من إنجازات فردية، بل بما يتركه من أثر في محيطه، وما يسهم به في خدمة الآخرين وتعزيز مسيرة التنمية.

فالمسؤولية في جوهرها ليست امتيازاً يُنال، ولا وجاهة تُطلب، بل هي ميثاق أخلاقي وإنساني راسخ، يربط الفرد بوطنه، ويحمّله أمانة العمل من أجل الصالح العام، وتغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات شخصية أو آنية.

وفي هذا السياق، أكد مواطنون ومقيمون أن كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، حين يتناول مفهوم المسؤولية والأمانة، لا تأتي في إطار توجيهات إدارية تقليدية، بل تمثل فلسفة قيادية متكاملة، ترسم ملامح نموذج إداري متقدم يقوم على الفروسية في الإدارة، والتي تترفع عن الأنانية، وتؤمن بأن القيادة الحقيقية تُقاس بقدرتها على صناعة النجاح الجماعي المستدام لا الإنجاز الفردي المؤقت.

وأشاروا إلى أن المسؤول الذي يحصر رؤيته في نطاق نجاحه الشخصي، إنما يبتعد عن جوهر العمل العام، ويضع نفسه في دائرة ضيقة تفصله عن روح الفريق، لأن الوطن منظومة واحدة متكاملة، أي خلل في أحد أجزائها ينعكس على الكل. لذلك فإن العمل الحكومي لا يُقاس بمن يسبق، بل بمدى تكامل الجهود وانسجامها لتحقيق الأهداف الوطنية.

وأوضحوا أن الأنانية في مواقع المسؤولية لا تُعد مجرد سلوك فردي سلبي، بل تمثل انحرافاً عن جوهر الأمانة، لأنها تُضعف البناء المؤسسي وتحد من فاعلية الأداء، بينما المسؤول الحقيقي هو من يحمل همّ الآخرين، ويعمل على تمكينهم، ويؤسس لبيئة عمل قائمة على الثقة وتبادل الخبرات وصناعة النجاح المشترك.

وأكد سعيد نقيب أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم يمثل نموذجاً ملهماً في القيادة القريبة من الناس، من خلال فكر يقوم على العمل بروح الفريق، وتحويل المسؤولية إلى التزام يومي تجاه الوطن والمجتمع.

وأضاف إن المسؤول الناجح لا ينظر إلى المنصب باعتباره امتيازاً شخصياً، بل أمانة تستوجب الإخلاص والتفاني، مشيراً إلى أن نجاح المسؤول لا يُقاس بما يحققه بمفرده، بل بقدرته على بناء فرق عمل قوية، وتحفيز من حوله، وفتح المجال أمام الكفاءات لتبدع وتنجز.

مرجع عملي

من جانبه، أوضح الدكتور كيشان باكال المدير التنفيذي للمستشفى الدولي الحديث بدبي أن كلمات سموه تمثل مرجعاً عملياً لكل من يتولى مسؤولية قيادية، وخاصة في القطاع الصحي الذي يقوم أساساً على خدمة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.

وأشار إلى أن نجاح المؤسسات الطبية لا يُقاس بإنجازاتها الفردية أو أرقامها فقط، بل بمدى قدرتها على الارتقاء بالمنظومة الصحية ككل، وتعزيز التكامل بين مختلف الجهات لخدمة المجتمع.

وأضاف إن مفهوم «الأمانة» في القيادة الصحية يتجسد في ضمان تقديم رعاية آمنة وعالية الجودة ومستدامة، إلى جانب الاستثمار المستمر في الكوادر الطبية وتمكينهم، وبناء بيئة عمل قائمة على التعاون والشفافية والمسؤولية المشتركة، بما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة الصحية للمجتمع.

بدوره، أكد الدكتور مهيمن عبدالغني الرئيس التنفيذي لمجموعة فقيه هيلث في دولة الإمارات العربية المتحدة، والرئيس التنفيذي لمستشفى فقيه الجامعي في دبي أن هذه الرؤية تعكس جوهر القيادة المسؤولة القائمة على التفكير الشمولي، موضحاً أن نجاح الفرد لا يمكن فصله عن نجاح المنظومة.

وأشار إلى أن أي خلل في جزء من المنظومة ينعكس على الكل، ما يجعل من العمل الجماعي ضرورة وليس خياراً.

وأضاف إن الأنانية في مواقع المسؤولية لا تضر بالأداء فقط، بل قد تؤدي إلى قرارات قصيرة النظر تؤثر سلباً في المجتمع، بينما يقوم القائد الحقيقي على تبني رؤية بعيدة المدى، تستند إلى المصلحة العامة، والاستثمار في الإنسان، وضمان استدامة جودة الخدمات.

نجاح جماعي

وأشار الدكتور أحمد عيسى الرئيس التنفيذي لمجموعة السعودي الألماني الصحية في الإمارات إلى أن كلمات سموه تضع إطاراً واضحاً لمعنى القيادة الحقيقية المبنية على المسؤولية كأمانة، وخاصة في قطاع الرعاية الصحية الذي يرتبط بشكل مباشر بحياة الإنسان وجودة حياته اليومية.

وأكد أن المسؤول الذي يركز على إنجازه الفردي فقط قد يحقق نتائج آنية، لكن الاستدامة الحقيقية تتحقق عندما يكون النجاح جماعياً ويشمل جميع عناصر المنظومة الصحية.

وأضاف إن ذلك يتجسد من خلال تمكين الكفاءات، وتعزيز التكامل بين التخصصات، وبناء بيئة عمل قائمة على الثقة والتعاون وتبادل المعرفة، لافتاً إلى أن أي قرار لا يأخذ في الاعتبار مصلحة المنظومة ككل قد ينعكس سلباً على جودة الخدمات واستمراريتها.

من جهتها، قالت منال الجوهري إن كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ترسخ مفهوماً عميقاً للمسؤولية في العمل المؤسسي، حيث لا تقتصر على تحقيق الإنجازات الفردية، بل تمتد لتشمل الإحساس الحقيقي بمصلحة الوطن وخدمة الإنسان، باعتبارهما الهدف الأعلى للعمل العام.

وأكدت أن الأنانية في مواقع المسؤولية تُضعف منظومة العمل وتحدّ من تحقيق الأهداف الوطنية، لأن العمل الحكومي يقوم أساساً على التكامل والتعاون وتبادل الأدوار بين مختلف الجهات.

اتساع الرؤية

وأكد عباس فرض الله أن كلمات سموه تحمل رسالة واضحة بأن المسؤولية ليست مكسباً شخصياً، بل عهد يتطلب صدق النية واتساع الرؤية، موضحاً أن النجاح الحقيقي لا يُبنى على إنجاز فردي معزول، بل على منظومة متماسكة يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء في صناعة الإنجاز.

وأضاف إن الأنانية تُضعف روح الفريق وتشتت الأهداف المشتركة، بينما يدرك المسؤول الواعي أن موقعه تكليف لا تشريف، وأن قيمته الحقيقية تُقاس بما يتركه من أثر إيجابي في الآخرين وفي مسيرة الوطن.

وقالت فاطمة الغيص الشامسي إن تجربة دولة الإمارات تقدم نموذجاً متقدماً في العمل المؤسسي القائم على التكامل، حيث يعزز التعاون بين الجهات المختلفة كفاءة الأداء ويرسخ ثقة المجتمع بالمؤسسات، مؤكدة أن المسؤول الناجح هو من يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

وأشار حميد الحتاوي إلى أن كلمات سموه تختصر جوهر المسؤولية الحقيقية، التي تقوم على الأمانة والإخلاص، مؤكداً أن الوطن لا ينهض بجهد فرد واحد، بل بتكاتف جميع الجهود وتكامل الأدوار.

وأكدت الدكتورة آمال سعيد بكر عبداللطيف أن المسؤولية الحقيقية لا تكتمل إلا بالإخلاص والعمل بروح الفريق،

فيما أوضحت خلود محمد خليفة أن المسؤول المؤثر هو من يمنح الآخرين الفرصة للنجاح، ويصنع بيئة إيجابية قائمة على التعاون وتحويل التحديات إلى فرص.

مسؤولية أخلاقية

وأوضحت الدكتورة أميرة أحمد أن المسؤول الناجح يتميز برؤية استراتيجية واضحة تمكنه من استشراف التحديات وتحويلها إلى فرص، إلى جانب القدرة على اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية في مختلف الظروف، مؤكدة أن القيادة الحقيقية تظهر بوضوح في أوقات الأزمات.

من جانبها، أكدت الدكتورة نورة العامري أن القيادة ليست سلطة إدارية، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية تقوم على النزاهة والشفافية، وبناء الثقة داخل بيئة العمل، بما يعزز روح الانتماء ويحقق التكامل المؤسسي.

وتتفق هذه الآراء مجتمعة على أن رسالة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ترسّخ مفهوماً عميقاً وشاملاً للمسؤولية، قوامه أن الأوطان لا تُبنى بالإنجازات الفردية، بل بروح جماعية واعية تجعل المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وتحوّل العمل العام إلى قيمة إنسانية مستدامة تصنع التقدم وتضمن استمراريته.