بدت حلب أمس، مدينة تنجذب لاحتمال عودتها إلى ميدان حرب على أشدها، مع أبعاد سياسية مختلفة هذه المرة بحكم طبيعة طرفي الاشتباك، وتبدّل الأهداف. كان واضحاً أن الاشتباكات التي انطلقت شرارتها الجديدة قبل أيام، لم تعد حدثاً عابراً، بل دخلت طور السعي لتثبيت خطوط تماس جديدة داخل المدينة. ولم يكن القصف المدفعي الذي طال حيي الشيخ مقصود والأشرفية عشوائياً، إذ ترافق مع انتشار وحدات عسكرية على محاور الاشتباكات، ما أوحى بأن الهدف ليس اجتياحاً سريعاً بقدر ما هو ضغط ميداني متدرج.
في المقابل، تعاملت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مع هذا الضغط بمنطق الدفاع عن الجيوب التي تمثل آخر حضور فعلي لها داخل المدينة. واتخذت الاشتباكات طابع الكرّ والفرّ، واستخدام أسلحة متوسطة وقنص متبادل، في مشهد أعاد إلى الأذهان نمط الاشتباكات التي عرفتها المدينة في سنوات سابقة، وإن على نطاق أضيق.
ورغم محدودية الجغرافيا، فإن الكثافة السكانية للأحياء المتأثرة جعلت أي اشتباك يحمل أثراً مضاعفاً على المدنيين، حيث بدا أن حركة النزوح التي سُجلت خلال هذا اليوم لم تكن دراماتيكية من حيث الصور، لكنها كانت مقلقة من حيث الدلالة. آلاف العائلات خرجت بهدوء، من دون ضجيج إعلامي، تاركة خلفها منازل لم تُقصف بالكامل، لكنها باتت تقع داخل مساحة الاشتباك، مع إغلاق للمدارس وتعليق الدوام في مؤسسات خدمية، إلى جانب اضطراب الكهرباء والمياه.
فرض سيادة
سياسياً، لم يحمل اليوم أي اختراق. التصريحات الرسمية من دمشق شددت على أن ما يجري هو «فرض سيادة» وإنهاء وضع شاذ داخل المدينة، بينما تمسكت «قسد» بخطاب الدفاع عن النفس ورفض أي انسحاب غير مشروط. لكن بدا لافتاً أن لغة الطرفين بدت أقل حدّة مما كانت عليه في بدايات الاشتباكات، وهو ما قد يُقرأ إما كمؤشر على نضج تفاوضي خلف الكواليس، أو كتمهيد لمعركة أطول تتطلب ضبط السقف الإعلامي.
العامل التركي يفرض نفسه على خلفية تطورات الميدان، إذ لوحت أنقرة صراحة باستعدادها للتدخل ودعم دمشق إذا طُلب منها ذلك، واضعة ما يجري في حلب ضمن معادلة الأمن القومي التركي. هذا التلويح لم يأتِ بصيغة إعلان عملية عسكرية وشيكة، بل كرسالة ضغط مزدوجة؛ تحذير لـ«قسد» من أن استمرار التمركز المسلح داخل حلب قد يستجلب تدخلاً أوسع، وإشارة لدمشق بأن تركيا ترى في حسم هذا الملف مصلحة مشتركة. الموقف التركي مفهوم ويعكس قلقاً مزامناً من أي وجود كردي مسلح قرب حدودها. وتسعى أنقرة كذلك لمنع تحوّل حلب إلى ورقة تفاوض طويلة الأمد تُستثمر سياسياً ضدها.
تفاوض أم حسم؟
في ضوء ذلك، يبدو مآل الأمور مفتوحاً على أكثر من احتمال. استمرار الاشتباكات بالوتيرة الحالية قد يحوّلها إلى حرب استنزاف قصيرة المدى، هدفها تعديل موازين التفاوض، لا الحسم العسكري الكامل. في المقابل، فإن فشل الضغط الميداني قد يدفع نحو تصعيد أوسع، خاصة إذا ما دخل العامل التركي من باب الدعم اللوجستي أو الاستخباري. أما خيار التهدئة، فيبقى هشاً ومشروطاً بتفاهمات أمنية مؤقتة لا تمس جوهر الخلاف حول مستقبل العلاقة بين دمشق و«قسد».
ويعود جزء من التوتر الحالي إلى اتفاق مارس 2025 بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية»، الذي هدف إلى ضبط الوجود العسكري داخل المدينة، وترتيب شكل العلاقة الأمنية فيها. الاتفاق، الذي بقي إطاراً عاماً من دون آليات تنفيذ واضحة، بقي هشاً وتعثر سريعاً بسبب الخلاف على السلاح والصلاحيات، ما جعله مرجعية مؤجلة أكثر منه تسوية قائمة، وأبقى المدينة عرضة لعودة الاشتباك عند أول احتكاك جدي.
