تشهد العاصمة السورية دمشق في الساعات الأخيرة حراكاً دبلوماسياً أوروبياً غاب لأكثر من عقد، مع تولي سلطة جديدة تقودها «هيئة تحرير الشام» إدارة البلاد، حيث زار وفد فرنسي وألماني دمشق، فيما أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني استعداد بلادها للحديث مع السلطات الجديدة. فيما تعهد أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني)، قائد «هيئة تحرير الشام» التي تولّت السلطة في سوريا، بـ«حل الفصائل» وطالب برفع العقوبات.
وبذلك تنضم فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى الولايات المتحدة وبريطانيا في إجراء اتصالات مع «هيئة تحرير الشام» التي قادت الإطاحة بالرئيس السوري السابق بشار الأسد هذا الشهر.
وصرّح المبعوث الفرنسي إلى سوريا جان فرنسوا غيوم لصحافيين بعد وصوله إلى دمشق، بأن «فرنسا تستعد للوقوف إلى جانب السوريين» خلال الفترة الانتقالية.
وأشار الوفد الفرنسي إلى أنه جاء «لإجراء اتصالات مع سلطات الأمر الواقع» في دمشق، في حين رفع العلم الفرنسي فوق السفارة الفرنسية بدمشق التي أغلقت منذ عام 2012، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».
وأوضحت البعثة الفرنسية أن الهدف من الزيارة هو «إجراء اتصال مع السلطات الفعلية» في دمشق، حسب وكالة فرانس برس.
وأشار وزير الخارجية الفرنسي جون نويل بارو، في تصريح سابق، إلى أن البعثة الدبلوماسية الفرنسية تضم أربعة دبلوماسيين.
وتهدف الزيارة إلى استعادة ممتلكات فرنسية في سوريا، وإقامة اتصالات أولية مع السلطات الجديدة.
وفي سياق متصل، قالت وزارة الخارجية الألمانية في بيان لها أمس، إن دبلوماسيين ألمانيين عقدوا محادثات مع السلطات الجديدة في سوريا.
وأوضحت الوزارة أن المحادثات ركزت على «عملية انتقالية شاملة في سوريا وحماية الأقليات»، بالإضافة إلى «احتمالات وجود دبلوماسي في دمشق».
وأضافت: «من المقرر أيضاً عقد اجتماعات مع المجتمع المدني السوري وممثلين للطوائف المسيحية».
وأشارت إلى أنه يجب الحكم على جماعة «هيئة تحرير الشام» من خلال أفعالها، مشددة على أنها تصرفت حتى الآن «بحذر». وأوضحت الوزارة أن أي تعاون مع «هيئة تحرير الشام»، «يفترض حماية الأقليات العرقية والدينية واحترام حقوق المرأة».
وقال متحدث باسم وزارة الخارجية، إن ألمانيا «تتواصل بشكل وثيق مع شركائها، ومن بينهم الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ودول عربية، بشأن سوريا».
انفتاح إيطالي
ومن جانبها، قالت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني أمام البرلمان، أمس، إن إيطاليا ترحب بسقوط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، مضيفة أنها مستعدة للحديث مع حكام البلاد الجدد.
وأضافت: «المؤشرات الأولية مشجعة (لكن) هناك حاجة لأقصى درجات الحذر».
وأشارت إلى أن إيطاليا هي البلد الوحيد ضمن مجموعة السبع الكبرى التي أعادت فتح سفارتها في دمشق، وكان ذلك قبل شهور من الإطاحة بالأسد.
وقالت ميلوني، إن إيطاليا «مستعدة للتحاور مع القيادة السورية الجديدة، طبعاً في سياق التقييمات والتدابير المتشاركة مع الشركاء الأوروبيين والدوليين»، واعتبرت ميلوني أن «العنصر الحاسم سيكون الموقف إزاء الأقليات الإثنية والدينية».
وقالت رئيسة الوزراء الإيطالية: «أفكّر خصوصاً في المسيحيين الذين سبق أن دفعوا ثمناً غالياً جدّاً وغالباً ما كانوا موضع اضطهاد».
وكانت إيطاليا قد أعادت فتح سفارتها في دمشق مطلع الصيف لتكون بذلك أوّل بلد بين دول مجموعة السبع يقدم على هذه الخطوة. بدورها، أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، أمس، أنه ينبغي للاتحاد الأوروبي «تكثيف» علاقاته مع «هيئة تحرير الشام» التي تتولى السلطة في سوريا.
وصرّحت بعد اجتماع مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة: «علينا الآن تكثيف تعاملنا المباشر مع هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى»، معتبرة أيضاً أن الاتحاد الأوروبي وحلفاءه «لا يمكنهم السماح بعودة» تنظيم «داعش» في سوريا.
من جهته، وصف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، اجتماعاته مع الشرع، ورئيس الحكومة المؤقتة محمد البشير، بأنها «لحظة أمل».
وكتب فليتشر، في حسابه عبر منصة إكس (تويتر سابقاً)، أمس: «لحظة من الأمل الحذر في سوريا.. لقد شعرت بالتفاؤل من اجتماعاتي في دمشق، بما في ذلك المناقشات البناءة مع قائد الإدارة الجديدة، أحمد الشرع».
وقال فليتشر إنه بات هناك «أساس لزيادة طموحه للدعم الإنساني الحيوي» الموجه إلى سوريا.
وفي بيان للأمين العام للأمم المتحدة، أمس، قال أنطونيو غوتيريش، إن مشاورات فليتشر في دمشق بحثت توسيع نطاق المساعدات الإنسانية في سوريا.
حل الفصائل
إلى ذلك، كشف قائد إدارة العمليات العسكرية في سوريا أحمد الشرع عن ملامح رؤيته للأوضاع في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، قائلاً، إن الحديث عن النظام السياسي سابق لأوانه، ومنوهاً بأن هناك عدة لجان مختصة تعمل على صياغة الدستور والقانون، وتحديد الشكل النهائي للحكم، وكاشفاً عن تسريح الجيش السوري مع الاعتماد على قوات «إدلب» (هيئة تحرير الشام)، و«متطوعين جدد».
وتعهد الشرع «بحلّ الفصائل المسلّحة» في البلاد، داعياً إلى «عقد اجتماعي» بين الدولة وكل الطوائف ومطالباً برفع العقوبات المفروضة على دمشق.
وتابع: «استلمنا سوريا محطّمة ومهدّمة، فالنظام مارس سياسة ممنهجة لتدمير سوريا، من القطاع المصرفي إلى بقية القطاعات الأخرى. واستطعنا أن نستلم كل مؤسسات الدولة».
