حلب بين التهدئة وحسابات ما بعد انسحاب «قسد»

 تشهد مدينة حلب تحوّلاً ميدانياً لافتاً بعد الإعلان عن مغادرة مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدينة، عقب اتفاق لوقف إطلاق النار أنهى اشتباكات دامية استمرت أياماً، وأعاد خلط الأوراق في واحدة من أكثر ساحات الصراع السوري حساسية.

ويأتي هذا التطور في أعقاب تحرك دبلوماسي أمريكي مباشر، تمثل في لقاء عقده المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم باراك، مع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، دعا خلاله جميع الأطراف إلى ضبط النفس ووقف الأعمال القتالية فوراً..

استعادة السيطرة

وبينما يُنظر إلى الخطوة بوصفها محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق حلب إلى مواجهة أوسع،يرى مراقبون أنها تفتح في الوقت ذاته أسئلة أعمق حول مستقبل الترتيبات الأمنية في المدينة، وحدود التفاهم بين دمشق و«قسد»، وإمكانية البناء على هذا الهدوء الهش نحو مسار أكثر استدامة.ويرى خبراء في الشؤون السورية إن العمليات العسكرية الأخيرة تعكس استراتيجية الحكومة في استعادة السيطرة على المناطق الحيوية.

ويضيف الخبراء أن المدنيين في حلب يواجهون معضلة مزدوجة: القصف المستمر وانقطاع الخدمات الأساسية، وفي الوقت نفسه غياب آلية واضحة للحماية أو لتثبيت تهدئة نهائية، ما قد يؤدي إلى انسداد سياسي وعسكري طويل الأمد.

رعاية أمريكية

إلى ذلك، أشار الأمين العام لهيئة العمل الوطني الديمقراطي في سوريا، محمود مرعي، أن الاتفاق الذي تم يوم السبت 10 يناير الجاري يشكل خطوة مهمة في إعادة ترتيب المشهد الأمني والإداري في حلب، حيث تم الاتفاق بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على انسحاب الأخيرة من حي الشيخ مقصود.

وأضاف مرعي أن هذا الاتفاق جاء برعاية الوسيط الأمريكي توم براك، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي إلى سوريا، مع التأكيد على إدارة المنطقة والإشراف عليها من قبل مجالس محلية منتخبة من السكان الحاليين.وأشار مرعي إلى أن هذا الترتيب يعكس عودة قوات قسد إلى أطر الإدارة المحلية، مع إبقاء السيطرة العامة على المدينة بيد الدولة السورية، وسط تدخلات أمريكية وتركية تهدف إلى ضبط المشهد في حلب.

وأضاف أن ملفات المحافظات الأخرى، مثل الحسكة ودير الزور والرقة، ستترك لحلول سياسية مستقبلية، حيث يبدو أن الولايات المتحدة ستلعب دور الوسيط بين قسد و«مسد» والمجلس العسكري السوري لضمان حل تشاركي وإدارة موسعة في شمال شرق سوريا.

كما أكد مرعي أن هذا الاتفاق قد يمتد ليشمل مناطق أخرى، بما في ذلك السويداء والساحل السوري، في إطار بحث مستمر عن حلول سياسية شاملة.ولفت إلى احتمال تشكيل حكومة تقنقراطية لإدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية، بما يعكس توجهاً لإعادة هيكلة السلطة بطريقة تحقق الاستقرار النسبي، وتوازن بين القوى المحلية والدور الدولي في سوريا.

مسار تدريجي

من جهته قال د.حازم الغبرا، خبير السياسة الدولية والمستشار السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، إن المشهد السوري اليوم يحتاج إلى حوار جدي وواقعي بين الحكومة السورية و«قسد»، بعيداً عن الطروحات القصوى التي أثبتت فشلها.

ويضيف أن الموقف الأمريكي واضح في دعمه لسوريا موحدة، وفي أفق مستقبلي يشمل قيام جيش سوري موحد، إلا أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب مساراً تدريجياً لا قفزاً فوق الوقائع المعقدة.

ويوضح الغبرا أن الحوار الوطني السابق، سواء الذي جرى في أكتوبر أو الاتفاقات التي أُبرمت قبل أشهر، لم ينجح في معالجة جذور الأزمة، ما يستدعي مراجعة أسباب فشله وإعادة صياغة الاتفاقات بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الحالية للطرفين.

ويشير إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في الإصرار على خطوات كبيرة وسريعة، مثل الاندماج الكامل في الجيش السوري، دون تهيئة الأرضية السياسية والأمنية اللازمة.

ويضيف أن الحل الأكثر واقعية يتمثل في خطوات صغيرة تبني الثقة تدريجياً، كالتعاون الأمني، وتسيير دوريات مشتركة، وتعزيز التنسيق الاستخباراتي، على غرار ما يجري مع التحالف الدولي.

ويرى  الدكتور حازم أن هذه الإجراءات العملية يمكن أن تفتح الباب أمام اتفاقات محدودة وقابلة للتنفيذ فوراً في مجالات الأمن والاقتصاد وتقاسم الموارد، بما يمهد لاحقاً لاتفاق أوسع وأكثر استدامة، ويجنب الأطراف حرق المراحل في مسار شديد الحساسية.تهدئة برعاية أمريكية