في الطريق إلى عام جديد يسدل الفلسطينيون الستائر على واحد من أكثر الأعوام قسوة في تاريخهم، عناوينه العريضة «تصدير تداعيات الحرب وإرجاء الحل»، و«تمديد المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بتمدد الغارات».
وظلت فيه غزة تتأرجح على شفا الدبلوماسية والحرب، ووفق شعار «لا تهدئة ولا توسعة». يشيع الفلسطينيون عامهم، مواصلين تشييع ضحاياهم، الذين طواهم العام المنقضي، قبل أن يطوي صفحته الأخيرة، وإن بدت غزة وكأنها نجت بأعجوبة من حرب إسرائيلية تكاد تكون مفتوحة.
وبينما كانت غزة تعد الأيام والليالي المظلمة، والقاهرة كانت تعض الأصابع مع إسرائيل، قبل أن يمنحها العام الجديد الضوء البرتقالي للانتقال إلى عام «يغاث فيه الناس» بعد تفكيك ملفات المرحلة الثانية من خطة وقف الحرب.
وربما كان العام 2025 مختوماً بوقف الحرب، لكنّ أياماً شديدة الوعورة والخطورة غلفت المشهد حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، فظلت غزة تعاند الانزلاق نحو الأسوأ، وكقطعة خشب عائمة، في بحر هائج الأمواج.
عام آخر يطوي أيامه، عاش فيه أهل غزة المعاناة بأشد ألوانها قتامة، وكم كان مثقلاً بالدماء والدمار، وكم ترك وراءه من أحداث تراجيدية وكارثية، أودت بأرواح الآلاف من المدنيين، يطوى خيامه، بعد أن أدخل الموت الزؤام إلى خيام النازحين.
هدنة يناير
بينما أخذ هامش المناورة السياسية يضيق. كانت جهود الوسطاء أفضت إلى اتفاق يتم تنفيذه على 3 مراحل، مدة كل مرحلة 42 يوماً، ويتخللها تبادل للأسرى، لكن الهدنة الهشة انهارت سريعاً بعد تنصل إسرائيلي، وتنفيذ متعثر للمرحلة الأولى، وانعطافة حادة نحو الحرب مع بدء الثانية.
«لاء التهجير»
ضمن المخطط الإسرائيلي، الذي أساسه «تغيير وجه الشرق الأوسط»، وإعادة صياغة خريطة المنطقة. وهكذا سعت إسرائيل لإفشال قمة القاهرة، على غرار قمة بيروت عام 2002، التي انبثقت عنها مبادرة السلام العربية استناداً لحل الدولتين، فأغلقت المعابر.
ومنعت إدخال المساعدات الإنسانية، ومع تكثيف الغارات على قطاع غزة أطلقت العنان لجيشها في الضفة الغربية، رداً أولياً، أرادت من خلاله تذكير الفلسطينيين والعرب باجتياحها الشهير لمناطق الضفة الغربية عام 2002، قبيل قمة بيروت، الأمر الذي عده مراقبون رسالة رفض وغضب لقرارات القمة الرافضة للتهجير.
حرب المخيمات
ويتفرع عن ذلك حرق المنازل، وحصار المستشفيات، وتدمير البنية التحتية، كما جرى في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس في شمال الضفة الغربية، والتي لا تزال تئن تحت وطأة عمليات عسكرية إسرائيلية متواصلة، تم على أثرها هدم مئات المنازل وتهجير المئات من العائلات، على غرار ما جرى في غزة، وقضى العشرات من سكان تلك المخيمات بفعل آلة القتل الإسرائيلية.
وما جرى في مخيمات الضفة، وصفه مواطنون بأنه «غزة ثانية»، إذ بدت مشاهد الدمار في شوارع المخيمات ومنازلها، كأنها صكت من غزة، وأعادت إلى أذهان الفلسطينيين عمليات الاجتياح الشهير المعروف بـ«السور الواقي» عام 2002.
وتوسعت العمليات العسكرية الإسرائيلية لتطال مخيمات جديدة، ومنها: الفارعة قرب طوباس، وعقبة جبر قرب أريحا، وبلاطة وعسكر والعين قرب نابلس، والأمعري والجلزون في منطقة رام الله، والفوار قرب الخليل، والدهيشة في بيت لحم.
انهيار التهدئة
وعادت فصول المجاعة بصورة أشد، بل إنها ذكرت بالأشهر الأولى للحرب. لم تمنح الهدنة أهل غزة الفرصة لالتقاط الأنفاس، وتضميد الجراح، أو حتى لملمة الآمال، بل إن الحرب راحت تتنوع في أشكالها وفظاعتها، ما أفضى إلى تقويض الجهود السياسية، الدائرة رحاها من القاهرة إلى واشنطن، مروراً بالدوحة.
عودة المجاعة
أفخاخ الموت
وكانت وجهتهم المناطق المسماة «مساعدات إنسانية»، والتي حولها الجيش الإسرائيلي إلى مصائد للموت، وتوسع من خلالها في قتل المدنيين، الباحثين عن أبسط مقومات الحياة.
صفارات إنذار
وتعاظم مأزق الفلسطينيين في معادلة بدت شائكة في منعطفين: استمرار حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة، وصفارات إنذار بأن الضفة الغربية باتت على الرادار الإسرائيلي، بينما العالم بدا مراقباً لتسارع التوترات الإقليمية والدولية.
وبالفعل ظل الجيش الإسرائيلي متحفزاً للانقضاض على الضفة الغربية، وباقتحاماته اليومية للمناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، بموجب اتفاق أوسلو عام 1993، أخذ يطير رسائل للفلسطينيين، بدت كأنها تمارين ومناورات بالنار، في الطريق لما هو أصعب، وإطلاق رصاصة الرحمة على حلم الدولة الفلسطينية، وحل الدولتين، الذي لا تنفك الأسرة الدولية إنعاشه.
أسوأ سيناريو
ومن أخرى غاب أفق الدبلوماسية، وانقطعت الاتصالات السياسية، وظلت غزة تعوم على بحر الدم. واستغلت إسرائيل ظروف المواجهة مع إيران، لفرض مزيد من الوقائع على الأرض في غزة والضفة الغربية، لا سيما أن المواجهة مع إيران كانت في مجملها جوية.
ولم تكن تحتاج لنشر قوات برية كما في غزة والضفة، وحتى بعد أن هدأت العاصفة بين تل أبيب وطهران امتد الماراثون التفاوضي بشأن غزة إلى أشهر أخرى إضافية، بعد أن غابت غزة عن صفقة ترامب، التي أنهت حرب الـ12 يوماً.
تقويض الدبلوماسية
اعترافات دولية
إسرائيل والعزلة
وتدمير العديد من الأبراج الهوائية الخاصة بشبكات الاتصالات وخدمات الإنترنت، وقعت إسرائيل في عزلة دولية، بفعل إصرار نتانياهو،على إخضاع الحملة العسكرية على قطاع غزة لخدمة أجنداته الشخصية والسياسية.
وداعية الحرب
فأمسكت غزة بحبل النجاة، بعد 470 يوماً من أبشع حروبها وأيام دهرها، وبعد حرب ضروس حملت غزة ما لا طاقة لها به، فغيرت المعالم، وأهلكت الحرث والنسل.
نزع السلاح
وجاء تشكيله بقرار أمريكي فردي، بل إنه يستمد مكانته وقوته من مكانة وقوة الإدارة الأمريكية، ورأى فيه الفلسطينيون إضعاف لفرصهم في إدارة شؤون قطاع غزة، ورسم مستقبله.
ماء ونار
وكذلك المنازل المتنقلة «الكرفانات»، ومستلزمات الشتاء من فرش وملابس وأغطية. وبالمجمل فإن لعبة الماء والنار في قطاع غزة آخذة في الغليان، وما زال القطاع على مسرح الهجمات الخاطفة، المحكومة بسياسة نتناياهو، اللاهث وراء إنجاز عسكري، يكسر جمود مأزقه السياسي.
بينما ينهض الوسطاء باجتراح مبادرات سياسية، لعلها تضخ مظاهر الحياة في قطاع غزة، المحكوم بقواعد غارات وخروقات تتمدد حيناً، وتنكمش أحياناً، فيودع الغزيون عاماً آخر، وصواعقه ما زالت موصولة بأزرار التفجير.
