غــزة.. هدنة هشة فوق ركام الحرب

في الطريق إلى عام جديد يسدل الفلسطينيون الستائر على واحد من أكثر الأعوام قسوة في تاريخهم، عناوينه العريضة «تصدير تداعيات الحرب وإرجاء الحل»، و«تمديد المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بتمدد الغارات».

وظلت فيه غزة تتأرجح على شفا الدبلوماسية والحرب، ووفق شعار «لا تهدئة ولا توسعة». يشيع الفلسطينيون عامهم، مواصلين تشييع ضحاياهم، الذين طواهم العام المنقضي، قبل أن يطوي صفحته الأخيرة، وإن بدت غزة وكأنها نجت بأعجوبة من حرب إسرائيلية تكاد تكون مفتوحة.

تشابكت المسارات في قطاع غزة في العام 2025، الذي كان شاهداً على هدنتين في غزة، بدت وكأنها استراحة محارب بين عاصفتين، على وقع حرب إسرائيلية طاحنة مسرحها غزة، وتردد صداها في الضفة الغربية، وزوابع حرب إقليمية، ولذا كان من الصعوبة بمكان على أشهر «عرافي آخر السنة» التنبؤ بمآلات عام بدا كأنه منغمس في لعبة الأقحوان «هدنة - حرب».

وبينما كانت غزة تعد الأيام والليالي المظلمة، والقاهرة كانت تعض الأصابع مع إسرائيل، قبل أن يمنحها العام الجديد الضوء البرتقالي للانتقال إلى عام «يغاث فيه الناس» بعد تفكيك ملفات المرحلة الثانية من خطة وقف الحرب.

وربما كان العام 2025 مختوماً بوقف الحرب، لكنّ أياماً شديدة الوعورة والخطورة غلفت المشهد حتى بعد اتفاق وقف إطلاق النار، فظلت غزة تعاند الانزلاق نحو الأسوأ، وكقطعة خشب عائمة، في بحر هائج الأمواج.

عام آخر يطوي أيامه، عاش فيه أهل غزة المعاناة بأشد ألوانها قتامة، وكم كان مثقلاً بالدماء والدمار، وكم ترك وراءه من أحداث تراجيدية وكارثية، أودت بأرواح الآلاف من المدنيين، يطوى خيامه، بعد أن أدخل الموت الزؤام إلى خيام النازحين.

هدنة يناير

شخصت عيون الغزيين على هدنة اعتبرت بمثابة «فترة تجريبية»، إذ أفضت جهود الوسطاء إلى هدنة بين إسرائيل وحركة حماس في 19 يناير، تبادلا بموجبها عدداً محدوداً من الأسرى، لكن اتفاق وقف النار لم يصمد طويلاً، ما أصاب آمال الغزيين في مقتل.

بينما أخذ هامش المناورة السياسية يضيق. كانت جهود الوسطاء أفضت إلى اتفاق يتم تنفيذه على 3 مراحل، مدة كل مرحلة 42 يوماً، ويتخللها تبادل للأسرى، لكن الهدنة الهشة انهارت سريعاً بعد تنصل إسرائيلي، وتنفيذ متعثر للمرحلة الأولى، وانعطافة حادة نحو الحرب مع بدء الثانية.

«لاء التهجير»

في مارس دخلت الأوضاع الفلسطينية ممراً ضيقاً، مع تضييق هامش المناورة السياسية، بل إن الأحداث الضاغطة، التي أعقبت قمة القاهرة العربية ولاءاتها، وأبرزها «لاء التهجير» شهدت تأزماً في الموقف، إذ استبقت القمة العربية محاولات تصفية القضية الفلسطينية، في حين كان وعيد إسرائيل باستئناف الحرب على قطاع غزة موجهاً للقمة أكثر منه لحركة حماس.

ضمن المخطط الإسرائيلي، الذي أساسه «تغيير وجه الشرق الأوسط»، وإعادة صياغة خريطة المنطقة. وهكذا سعت إسرائيل لإفشال قمة القاهرة، على غرار قمة بيروت عام 2002، التي انبثقت عنها مبادرة السلام العربية استناداً لحل الدولتين، فأغلقت المعابر.

ومنعت إدخال المساعدات الإنسانية، ومع تكثيف الغارات على قطاع غزة أطلقت العنان لجيشها في الضفة الغربية، رداً أولياً، أرادت من خلاله تذكير الفلسطينيين والعرب باجتياحها الشهير لمناطق الضفة الغربية عام 2002، قبيل قمة بيروت، الأمر الذي عده مراقبون رسالة رفض وغضب لقرارات القمة الرافضة للتهجير.

حرب المخيمات

بعد التهدئة المؤقتة في غزة، استدارت إسرائيل نحو الضفة الغربية في انعطافة حادة، فلم تعد عمليات الجيش الإسرائيلي في مخيمات الضفة تمر على شكل مداهمات سريعة، أو اقتحامات محدودة، بل بدأت تأخذ شكل الاجتياح الشامل، والاستخدام المفرط للقوة ضد المواطنين.

ويتفرع عن ذلك حرق المنازل، وحصار المستشفيات، وتدمير البنية التحتية، كما جرى في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس في شمال الضفة الغربية، والتي لا تزال تئن تحت وطأة عمليات عسكرية إسرائيلية متواصلة، تم على أثرها هدم مئات المنازل وتهجير المئات من العائلات، على غرار ما جرى في غزة، وقضى العشرات من سكان تلك المخيمات بفعل آلة القتل الإسرائيلية.

وما جرى في مخيمات الضفة، وصفه مواطنون بأنه «غزة ثانية»، إذ بدت مشاهد الدمار في شوارع المخيمات ومنازلها، كأنها صكت من غزة، وأعادت إلى أذهان الفلسطينيين عمليات الاجتياح الشهير المعروف بـ«السور الواقي» عام 2002.

وتوسعت العمليات العسكرية الإسرائيلية لتطال مخيمات جديدة، ومنها: الفارعة قرب طوباس، وعقبة جبر قرب أريحا، وبلاطة وعسكر والعين قرب نابلس، والأمعري والجلزون في منطقة رام الله، والفوار قرب الخليل، والدهيشة في بيت لحم.

انهيار التهدئة

بعد 57 يوماً، وبينما كان الوسطاء منهمكين في بحث تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق 19 يناير، انهارت التهدئة في 17 مارس، بعد أن انهمرت القذائف من جديد على قطاع غزة، بقصف جوي إسرائيلي مفاجئ، خلّف المئات من الضحايا، وسرعان ما أعلنت إسرائيل عودة الحرب.

وعادت فصول المجاعة بصورة أشد، بل إنها ذكرت بالأشهر الأولى للحرب. لم تمنح الهدنة أهل غزة الفرصة لالتقاط الأنفاس، وتضميد الجراح، أو حتى لملمة الآمال، بل إن الحرب راحت تتنوع في أشكالها وفظاعتها، ما أفضى إلى تقويض الجهود السياسية، الدائرة رحاها من القاهرة إلى واشنطن، مروراً بالدوحة.

عودة المجاعة

عاد النازحون الجوعى في قطاع غزة، للبحث عن الطعام في المراكز الخيرية، وكانت مشاهد الأطفال والنساء وهم يحملون قدوراً فارغة تتسيد المشهد، ولم يجد قادة إسرائيل حرجاً في الإعلان المتكرر من أن الحرب مستمرة حتى تحقيق أهدافها، الأمر الذي عده مراقبون محاولة لاستخدام معاناة السكان المجوعين في قطاع غزة، لتمرير أهداف سياسية.

أفخاخ الموت

اعتبر شهر يونيو الشهر الأكثر فظاعة في قتل الباحثين عن الطعام، قرب مناطق توزيع المساعدات، فامتدت يد الفتك والقتل باتجاه المئات، الذين خفوا مسرعين، للظفر بما يسد وأد أطفالهم.

وكانت وجهتهم المناطق المسماة «مساعدات إنسانية»، والتي حولها الجيش الإسرائيلي إلى مصائد للموت، وتوسع من خلالها في قتل المدنيين، الباحثين عن أبسط مقومات الحياة.

صفارات إنذار

وجد الفلسطينيون أنفسهم في مواجهة الحائط، وساد قلق مكتوم لدى الشارع الفلسطيني، من القرار الإسرائيلي فرض السيطرة الكاملة على الضفة الغربية، والمطبوع بمخاوف من اشتعال جبهة جديدة، وطغى عليه طابع الإنذار من أسوأ قادم.

وتعاظم مأزق الفلسطينيين في معادلة بدت شائكة في منعطفين: استمرار حرب الإبادة والتجويع في قطاع غزة، وصفارات إنذار بأن الضفة الغربية باتت على الرادار الإسرائيلي، بينما العالم بدا مراقباً لتسارع التوترات الإقليمية والدولية.

وبالفعل ظل الجيش الإسرائيلي متحفزاً للانقضاض على الضفة الغربية، وباقتحاماته اليومية للمناطق الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، بموجب اتفاق أوسلو عام 1993، أخذ يطير رسائل للفلسطينيين، بدت كأنها تمارين ومناورات بالنار، في الطريق لما هو أصعب، وإطلاق رصاصة الرحمة على حلم الدولة الفلسطينية، وحل الدولتين، الذي لا تنفك الأسرة الدولية إنعاشه.

أسوأ سيناريو

وباشتعال الصدام بين تل أبيب وطهران خلال حرب الـ 12 يوماً في يونيو، أخذت غزة تتهيأ لاستقبال أسوأ سيناريو أمني وأخطر تهديد، فمن جهة غابت عن الإعلام، وواصل الجيش الإسرائيلي ارتكاب المجازر فيها دون حسيب أو رقيب.

ومن أخرى غاب أفق الدبلوماسية، وانقطعت الاتصالات السياسية، وظلت غزة تعوم على بحر الدم. واستغلت إسرائيل ظروف المواجهة مع إيران، لفرض مزيد من الوقائع على الأرض في غزة والضفة الغربية، لا سيما أن المواجهة مع إيران كانت في مجملها جوية.

ولم تكن تحتاج لنشر قوات برية كما في غزة والضفة، وحتى بعد أن هدأت العاصفة بين تل أبيب وطهران امتد الماراثون التفاوضي بشأن غزة إلى أشهر أخرى إضافية، بعد أن غابت غزة عن صفقة ترامب، التي أنهت حرب الـ12 يوماً.

جرائم المستوطنين

اعتبر الفلسطينيون عام 2025 بأنه الأكثر وحشية بالنسبة لاعتداءات المستوطنين، إذ صعدت عصابات المستوطنين من هجماتها على القرى والبلدات الفلسطينية، وخصوصاً في منطقة شرق وشمال رام الله، إذ شهدت قرى ترمسعيا وسنجل وكفر مالك ودير جرير والمغير والمزرعة الشرقية ودير دبوان وأبو فلاح أعمالاً عدوانية، طالت العديد من ممتلكات المواطنين، بينما قضى نحو 30 فلسطينياً برصاص المستوطنين، خلال صد تلك الاعتداءات.

تقويض الدبلوماسية

في سبتمبر اشتعلت الدبلوماسية الفلسطينية، في ظل ما وصف بـ«موجات تسونامي» الاعتراف بدولة فلسطين، الذي سبق قمة نيويورك، والمؤتمر الدولي لحل الدولتين، الذي قادته السعودية وفرنسا، لكن الجهود السياسية لوقف الحرب على قطاع غزة ظلت مجمدة.

اعترافات دولية

ورغم أن كرة الاعترافات بالدولة الفلسطينية تدحرجت بدءاً من بريطانيا، التي بدت وكأنها تستبطن تصحيحاً لخطأ تاريخي بحق الفلسطينيين، ظل أهل غزة ينتظرون سبتمبر على جمر النار، لكن المشهد السياسي كان له رأي آخر، إذ استبقت أمريكا الأمر، بمنع الرئيس الفلسطيني وأعضاء من القيادة الفلسطينية من عبور واشنطن، لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقد أثار القرار الأمريكي غضب الشارع الفلسطيني، بينما اعتبره سياسيون فلسطينيون ودبلوماسيون عرب بمثابة انضمام واشنطن إلى سياسة تل أبيب، الرامية إلى تقويض قيام دولة فلسطينية.

إسرائيل والعزلة

فيما كانت غزة معزولة عن العالم، بقطع إسرائيل كل وسائل اتصالها وتواصلها مع العالم الخارجي، بفعل تشويشات متعمدة، على مقويات الإرسال.

وتدمير العديد من الأبراج الهوائية الخاصة بشبكات الاتصالات وخدمات الإنترنت، وقعت إسرائيل في عزلة دولية، بفعل إصرار نتانياهو،على إخضاع الحملة العسكرية على قطاع غزة لخدمة أجنداته الشخصية والسياسية.

وداعية الحرب

في 9 أكتوبر، ومن قلب دخان كثيف، وبعد ماراثون تفاوضي، واحتباس سياسي، انبلج فجر الهدنة، التي توجت جهود الوسطاء (مصر وقطر وأمريكا) وأسدلت الستائر على أطول الحروب في تاريخ الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

فأمسكت غزة بحبل النجاة، بعد 470 يوماً من أبشع حروبها وأيام دهرها، وبعد حرب ضروس حملت غزة ما لا طاقة لها به، فغيرت المعالم، وأهلكت الحرث والنسل.

استعاد قلب غزة شيئاً من نبضه، لكن الهدنة لم تصمد طويلاً، وسرعان ما عاد غبار الحرب يغطي سماء القطاع، بفعل خروقات إسرائيل.

نزع السلاح

تضع واشنطن نزع سلاح حركة «حماس» حجر الزاوية في أي تسوية طويلة الأمد لغزة، في حين ترفض الحركة هذا الشرط رفضاً قاطعاً، وهو ما يعكس فجوة عميقة تعيق جهود السلام.

كما أن نتانياهو يطالب بنزع سلاح «حماس» شرطاً أساسياً للتهدئة، ويربط هذا المطلب بهدف إضعاف الحركة، وإنهاء سيطرتها على القطاع ويمثل هذا الخلاف الجوهري حول مستقبل سلاح «حماس» عقبة رئيسية في طريق المفاوضات الجارية لوقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الأسرى، تهدد بتقويض أي اتفاق شامل.

فيما ازدادت المعطيات المتقاطعة حول مستقبل قطاع غزة بعد الحرب بدأت ملامح تسوية سياسية نهائية تتبلور، مع انشغال الإدارة الأمريكية بإعادة رسم خريطة غزة بعد الحرب، بجهد سياسي ركيزته الأساسية مجلس السلام، الذي يقوده ترامب.

وفي ضوء إغراق المرحلة الأولى من الخطة الأمريكية بجولات توتر وخروقات لوقف إطلاق النار، أظهرت واشنطن مجلس السلام طوق نجاة لقطاع غزة، بيد أن المجلس الذي تضمنه القرار الأممي رقم 2803 افتقد من وجهة نظر مراقبين، لتمثيل هيئة دولية.

وجاء تشكيله بقرار أمريكي فردي، بل إنه يستمد مكانته وقوته من مكانة وقوة الإدارة الأمريكية، ورأى فيه الفلسطينيون إضعاف لفرصهم في إدارة شؤون قطاع غزة، ورسم مستقبله.

ماء ونار

ومع أفول العام 2025 تشتد وطأة خروقات اتفاق وقف إطلاق النار الأشبه بالحرب، وما زالت غزة مفتوحة على مآلات صعبة، أخذت تتعمق مع حلول فصل الشتاء، فإسرائيل تواصل منع دخول دخول المساعدات التي بنص عليها الاتفاق.

وكذلك المنازل المتنقلة «الكرفانات»، ومستلزمات الشتاء من فرش وملابس وأغطية. وبالمجمل فإن لعبة الماء والنار في قطاع غزة آخذة في الغليان، وما زال القطاع على مسرح الهجمات الخاطفة، المحكومة بسياسة نتناياهو، اللاهث وراء إنجاز عسكري، يكسر جمود مأزقه السياسي.

بينما ينهض الوسطاء باجتراح مبادرات سياسية، لعلها تضخ مظاهر الحياة في قطاع غزة، المحكوم بقواعد غارات وخروقات تتمدد حيناً، وتنكمش أحياناً، فيودع الغزيون عاماً آخر، وصواعقه ما زالت موصولة بأزرار التفجير.

71000

قتيل منذ أكتوبر 2023

410

قتلى منذ وقف إطلاق النار

171.195

إصابة منذ 7 أكتوبر 2023

83 %

من الأبنية في القطاع مدمرة كلياً أو جزئياً

61

مليون طن حجم الركام الناتج عن التدمير الإسرائيلي

514

ألف شخص يعانون من المجاعة

71 %

عجزاً في المستهلكات الطبية