مع استحواذ الحرب الروسية الأوكرانية، والتصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، على اهتمام العواصم الكبرى وأجندة الدبلوماسية الدولية، يتواصل التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة، وسط تراجع الزخم السياسي الدولي الرامي إلى تثبيت وقف إطلاق النار، أو إطلاق مسار سياسي جديد.
فيما ظهرت مؤشرات على اتجاه إسرائيل إلى ترسيخ وجودها في أجزاء واسعة من القطاع، عبر إنشاء حواجز وسواتر ترابية وبنى أمنية جديدة، ما أثار مخاوف من تكريس واقع جغرافي وأمني طويل الأمد.
وخلال الأسابيع الأخيرة، شهد القطاع سلسلة من التطورات الميدانية، أبرزها تصاعد الغارات الإسرائيلية على مناطق متفرقة، واستمرار العمليات العسكرية على امتداد ما يُعرف بـ «الخط الأصفر»، مع توسيع المناطق العسكرية المغلقة، الأمر الذي دفع موجات جديدة من السكان إلى النزوح، في وقت تقلصت فيه المساحات الآمنة إلى مستويات غير مسبوقة.
وتزامن ذلك مع استمرار القيود على دخول المساعدات الإنسانية، وإغلاق معابر رئيسة، إلى جانب تراجع التمويل الدولي للعمليات الإغاثية، ما انعكس على خدمات الغذاء والمياه والرعاية الصحية والإيواء، في ظل تحذيرات متواصلة من تفاقم الكارثة الإنسانية.
كما كشفت صور ملتقطة بالأقمار الاصطناعية، أن الجيش الإسرائيلي يبني بوتيرة متسارعة ساتراً ترابياً ضخماً، يفصل أكثر من 50 % من الجزء الذي يسيطر عليه في غزة عن بقية أراضي القطاع، في خطوة من شأنها ترسيخ تقسيم القطاع الفلسطيني الصغير، وفق «أسوشيتد برس».
وشيد الجيش الإسرائيلي أكثر من 23 كيلومتراً، من هذا الساتر خلال الأشهر الأخيرة، ممتداً عبر تجمعات فلسطينية دمرتها قواته.
ويعادل ذلك أكثر من نصف طول القطاع الساحلي، الذي يبلغ نحو 40 كيلومتراً طولاً، و11 كيلومتراً عرضاً، ويقطنه أكثر من مليوني فلسطيني.
تراجع سياسي
ميدانياً، لم تتوقف الضربات الإسرائيلية، إذ استمرت الغارات الجوية والقصف المدفعي على مناطق في مدينة غزة وخان يونس والنصيرات، مخلفة قتلى وجرحى، وسط استمرار تضرر الأحياء السكنية والبنية التحتية.
ويرى مراقبون أن تزامن هذه التطورات مع انشغال المجتمع الدولي بأزمات كبرى، من الحرب في أوكرانيا إلى المواجهة الأمريكية الإيرانية، وما رافقها من تداعيات على أمن الطاقة والملاحة الدولية، أدى إلى تراجع الحضور السياسي والإعلامي للقضية الفلسطينية، الأمر الذي أضعف الضغوط الدولية الهادفة إلى وقف التصعيد، أو الدفع نحو تسوية مستدامة.
اعتبارات إسرائيلية
ويرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، في تصريحات لـ «البيان»، أن استمرار التصعيد الإسرائيلي في قطاع غزة لا يرتبط بصورة مباشرة بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران، أو بالحرب الروسية الأوكرانية، بقدر ما يرتبط بالاعتبارات السياسية الداخلية في إسرائيل، لا سيما مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وما تفرضه من حسابات على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
ويقول مطاوع إن نتنياهو يسعى إلى الحفاظ على موقعه السياسي، وتعزيز فرصه الانتخابية، الأمر الذي يجعله أكثر تمسكاً بملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، باعتباره أحد أبرز الملفات التي يمكن أن يقدمها لجمهوره، بوصفه «إنجازاً أمنياً»، في حال تحقيق تقدم فيه.
ويؤكد أن إسرائيل لا ترى ضرراً في مواصلة التصعيد معتبراً أن هذه الاستراتيجية تمنحها مكاسب إضافية،
وفي المقابل، يحمّل مطاوع حركة «حماس» جانباً من المسؤولية عن استمرار الأزمة، مشيراً إلى أنها ما زالت، من وجهة نظره، توفر لنتنياهو مبررات سياسية للاستمرار في عملياته العسكرية.
ويوضح أن أي اتفاق يتم التوصل إليه يفترض أن تلتزم جميع الأطراف بتنفيذ بنوده بصورة متوازنة، لأن الالتزام الكامل كان من شأنه تخفيف الضغوط عن الوسطاء، وزيادة الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ التزاماتها المقابلة.
استهداف مستمر
بدوره، يؤكد الدكتور أحمد رفيق عوض مدير مركز القدس للدراسات المستقبلية، أن قطاع غزة لم يصبح ضحية للتصعيد الإسرائيلي بسبب انشغال العالم بأزمات أخرى فحسب، بل إنه يعيش حالة استهداف مستمرة منذ سنوات، مشيراً إلى أن العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية، تأتي في إطار استراتيجية أوسع، تتجاوز تأثير التطورات الإقليمية والدولية.
ويقول عوض، في تصريحات لـ «البيان»، إن إسرائيل تسعى من خلال التصعيد المتواصل إلى تحقيق مجموعة من الأهداف السياسية والعسكرية، في مقدمها إضعاف حركة «حماس» أو دفعها إلى القبول بشروط تتعلق بنزع السلاح، والتخلي عن دورها السياسي والعسكري.
ويؤكد أن الضغوط العسكرية والإنسانية المتزايدة، ترتبط أيضاً بمحاولات دفع السكان نحو النزوح أو الهجرة، في ظل غياب أي أفق سياسي حقيقي.
ويضيف أن تراجع اهتمام الوسطاء والقوى الدولية بالملف الفلسطيني، نتيجة انشغالها بأزمات إقليمية أخرى، منح إسرائيل هامشاً أوسع لمواصلة عملياتها العسكرية، دون ضغوط دولية مؤثرة.
وهو ما جعل غزة تدفع جزءاً من ثمن هذا التحول في الأولويات الدولية، لكنه يشدد في الوقت نفسه على أن التصعيد الإسرائيلي لا يمكن تفسيره بهذا العامل وحده، لأن العمليات العسكرية تمثل جزءاً من سياسة إسرائيلية ممنهجة، تقوم على تكثيف الضربات العسكرية.