دخلت الحرب في قطاع غزة خلال الأسابيع الأخيرة مرحلة جديدة من التصعيد، أعادت إلى الواجهة تساؤلات جدية حول مستقبل اتفاق وقف إطلاق النار وإحلال السلام الذي جرى توقيعه خلال قمة شرم الشيخ في أكتوبر 2025، مع اتساع نطاق المناطق العازلة، وتزايد السيطرة الميدانية للجيش الإسرائيلي، تتصاعد التحذيرات من مخطط يستهدف تقليص المساحات المتاحة للفلسطينيين وفرض واقع جديد على الأرض؛ فإسرائيل تربط استكمال تنفيذه بنزع سلاح «حماس»، بينما تشترط الحركة انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من غزة، الأمر الذي يبقي الاتفاق في حالة جمود تنعكس سلباً على الأوضاع الميدانية .
بحسب التفاهمات التي جرى التوصل إليها ضمن هدنة توسطت فيها الولايات المتحدة خلال شهر أكتوبر الماضي، كان من المفترض أن تنسحب القوات الإسرائيلية إلى ما يعرف بـ«الخط الأصفر»، وهو خط عسكري مرسوم على الخرائط يحدد نطاق انتشار وسيطرة الجيش الإسرائيلي داخل القطاع.
في الأثناء، أعلنت مصادر طبية في قطاع غزة، أمس، ارتفاع حصيلة الهجوم الإسرائيلي على القطاع إلى 72,939 قتيلاً، و172,927 مصاباً، منذ السابع من أكتوبر 2023.
وأشارت إلى أن إجمالي القتلى منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي ارتفع إلى 930، وإجمالي الإصابات إلى 2,819، فيما جرى انتشال 781 جثماناً.
وشهدت الأسابيع الأخيرة تكثيفاً للغارات الجوية والعمليات البرية الإسرائيلية في مناطق عدة من القطاع، بالتزامن مع تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أكد فيها المضي نحو توسيع السيطرة العسكرية داخل غزة، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على انتقال إسرائيل من مرحلة إدارة الحرب إلى محاولة فرض واقع أمني وجغرافي جديد قد يصعب التراجع عنه في أي تسوية مستقبلية.
ويطرح إعلان نتانياهو السعي للسيطرة على 70 % من غزة تساؤلات تتجاوز البعد العسكري المباشر، أبرزها، ماذا يعني عملياً توسيع السيطرة الإسرائيلية على هذه المساحة الشاسعة من القطاع؟ وما إذا كان نتانياهو يستخدم التوسع العسكري كورقة ضغط على حركة «حماس»، أم أن إسرائيل تتجه فعلياً نحو إعادة احتلال أجزاء واسعة من القطاع لفترة طويلة.
ويأتي ذلك في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية داخل القطاع، حيث تحذر منظمات دولية من استمرار معاناة السكان نتيجة نقص المساعدات الأساسية وتدهور الخدمات والبنية التحتية، الأمر الذي يزيد الضغوط على الوسطاء الساعين للحفاظ على مسار التهدئة ومنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع.
اتفاق معلق بخيط رفيع
ترى خبيرة الشأن الفلسطيني والعلاقات الدولية د. أماني القرم، أن الخروقات الإسرائيلية المتواصلة جعلت اتفاق وقف إطلاق النار «هشاً ومعلقاً بخيط رفيع»، مشيرة إلى أن التوسع الإسرائيلي في السيطرة على أراضي القطاع ليقترب من 70% يمثل عملياً تراجعاً عن الالتزامات الواردة في الاتفاق، ولا سيما ما يتعلق بجدول الانسحاب وإعادة السكان إلى مناطقهم.
وتوضح أن عمليات القصف اليومية والاغتيالات المتكررة لا تقتصر آثارها على الأهداف العسكرية، بل تخلف دماراً واسعاً وخسائر بشرية كبيرة بين المدنيين، ما يفاقم الأزمة الإنسانية المتدهورة أصلاً داخل القطاع. كما أن تعطيل دخول قوة الاستقرار الدولية واللجنة الإدارية المنبثقة عن الاتفاق يحد من فرص تنفيذ بنوده على الأرض.
وتلفت القرم إلى أن الاتفاق يواجه أيضاً أزمة ثقة والتزامات متبادلة؛ فإسرائيل تربط استكمال تنفيذه بنزع سلاح «حماس»، بينما تشترط الحركة انسحاباً إسرائيلياً كاملاً من غزة قبل بحث هذا الملف.
ومع ذلك، ترى أن الاتفاق لا يزال قائماً بفعل جهود الوسطاء والضامنين الدوليين، فضلاً عن وجود اعتبارات سياسية لدى مختلف الأطراف تجعل انهياره الكامل خياراً مكلفاً للجميع.
اختبار حرج
بدوره، يرى الباحث السياسي أحمد المصري، أن التصعيد الإسرائيلي المكثف وحوادث الاغتيال المتتالية لقادة حماس تمثل تقويضاً مباشراً لـ«إعلان ترامب للسلام الدائم والازدهار»، الذي تأسس على الوقف الدائم لإطلاق النار وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار والاستقرار.
ويؤكد المصري أن هذه العمليات تضرب في صميم الترتيبات الأمنية والحوكمة التي نصت عليها الوثيقة، إذ إن تصفية القيادات الميدانية والسياسية تجهض فرص بناء الثقة اللازمة لتنفيذ أي حلول شاملة ويضيف أن استمرار العمليات العسكرية يجعل الحديث عن مسار سياسي أو إعادة إعمار واسعة النطاق أمراً بالغ الصعوبة، محذراً من أن الاتفاق قد يتحول من مشروع واعد للاستقرار الإقليمي إلى وثيقة فاقدة للتأثير العملي إذا استمرت الوقائع الميدانية في تجاوز بنوده.