سلطات بورتسودان تستميت لعرقلة المساءلة الدولية عن الانتهاكات


تشن سلطة بورتسودان حملة شعواء في أروقة الأمم المتحدة لعرقلة عمل الآلية الأممية التي تتولى توثيق الانتهاكات في السودان وجمع الأدلة وتحديد المسؤولين عنها.

وبدأت السلطة وفي محاولة لقطع الطريق أمام المساءلة الدولية، تحركاً مبكراً لإفشال تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، مستندة إلى دعاوى السيادة الوطنية، رغم رفضها السماح للبعثة بدخول البلاد والوصول إلى مواقع الانتهاكات والضحايا والشهود.


وطلب مندوب سلطة بورتسودان لدى الأمم المتحدة في جنيف، حسن حامد حسن، من سفراء الدول الـ28 الأخرى الأعضاء في مجموعة الدول النامية المتشابهة في التفكير، التي تقودها الصين، مساندة موقف سلطته الرافض لتمديد ولاية البعثة خلال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، المقرر انعقادها في جنيف خلال الفترة من 7 سبتمبر إلى 9 أكتوبر المقبل، إلا أن الاجتماع لم يسفر عن بيان مشترك أو تعهد جماعي بمعارضة التمديد، كما لم تعلن الصين أو أي من الدول المخاطبة تبني موقف سلطة بورتسودان، إذ اقتصر الأمر على استماع سفراء المجموعة إلى الطلب الذي قدمه المندوب السوداني.


وأحال مندوب بورتسودان تبرير طلبه بوجود 3 آليات دولية أخرى معنية بالسودان، هي مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، والخبير المعين بشأن حالة حقوق الإنسان، وفريق الخبراء المنشأ بموجب قرار مجلس الأمن رقم 1591.

واتهم بريطانيا ودولاً غربية أخرى بالسعي سنوياً إلى الإبقاء على ما وصفه بـ «آلية رابعة»، مدعياً أن مشاريع القرارات المتعلقة بالسودان تساوي بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتتجاهل التحقيقات الوطنية.

وطالبت المنظمات بتمديد ولاية البعثة لعامين كاملين، وتزويدها بالموارد المالية والخبرات الفنية اللازمة لمواصلة التحقيقات وحفظ الأدلة وبناء ملفات يمكن استخدامها مستقبلاً في ملاحقة المسؤولين عن الجرائم.

وأكدت أن أطراف الحرب لا تزال غير راغبة أو غير قادرة على إجراء تحقيقات حقيقية وشاملة ومستقلة ومحايدة في الانتهاكات، ما يجرد الآليات الوطنية التي تستند إليها سلطة بورتسودان من المصداقية اللازمة لتكون بديلاً عن التحقيق الدولي.


واضطرت البعثة، نتيجة هذا الرفض، إلى إجراء جانب كبير من تحقيقاتها من خارج البلاد، بالاستناد إلى شهادات الضحايا والناجين واللاجئين، وتحليل الصور ومقاطع الفيديو وصور الأقمار الاصطناعية والمصادر المفتوحة، وغيرها من وسائل التحقق المعتمدة دولياً.


محاولات حماية
ويرى حقوقيون أن موقف بورتسودان من البعثة لا يمكن فصله عن محاولات حماية قادة الجيش والمليشيات المتطرفة المتحالفة معه من التحقيق في اتهامات خطِرة، تشمل القصف العشوائي للمناطق المدنية، والقتل خارج نطاق القانون، والاعتقال التعسفي، والتعذيب، والإخفاء القسري، والتحريض العرقي، وعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.

ويشير مراقبون إلى أن الحملة الدبلوماسية الجارية، ليست سوى محاولة لإبعاد الجرائم المنسوبة إلى الجيش وحلفائه عن أعين التحقيق الدولي، ومنع توثيق الأدلة وتحديد المسؤولين عنها، أكثر من كونها دفاعاً عن السيادة الوطنية كما تحاول سلطة بورتسودان تصويرها.


وتأتي تحركات بورتسودان قبل انطلاق الدورة الجديدة لمجلس حقوق الإنسان، وسط حملة حقوقية واسعة لتمديد ولاية البعثة لعامين بدلاً من التجديد السنوي، وتعزيز قدرتها على جمع الأدلة وحفظها وبناء ملفات يمكن استخدامها في الملاحقات الجنائية المستقبلية.


طمس أدلة
وطالبت المنظمات مجلس حقوق الإنسان بتكليف البعثة بتقديم تقرير مكتوب عن نتائج تحقيقها العاجل في أحداث الأبيض، ومواصلة التحقيق في دور الأطراف الخارجية التي تسهم في تأجيج الحرب، وتقديم تقاريرها إلى الجمعية العامة، وإحاطة مجلس الأمن بنتائج تحقيقاتها.

وتؤكد المنظمات أن استمرار البعثة لا يمثل ازدواجاً في الآليات، بل يشكل ضمانة أساسية لمنع طمس الأدلة والإفلات من العقاب، لا سيما في ظل استمرار الحرب، وتعطل مؤسسات العدالة، وافتقار أجهزة التحقيق التابعة لأطراف الصراع إلى الاستقلالية والصدقية.

ويبقى حسم مصير البعثة بيد الدول الأعضاء في مجلس حقوق الإنسان، ويحذر حقوقيون من أن عدم تمديد ولايتها لن يمحو الجرائم أو يسقط حقوق الضحايا، بل سيمنح مرتكبي الانتهاكات، أيا كانت مواقعهم، مساحة أوسع للإفلات من العدالة.