ماذا يقول القانون الدولي في استخدام الممرات البحرية؟

بتحويلها مضيق هرمز ورقة ضغط وابتزاز خلال الحرب، تضع إيران نفسها في مواجهة مع القانون الدولي، فضلاً عن تحديها للعالم المرتبط اقتصاده بهذا الشريان الحيوي، ذلك أن المضائق البحرية مرافق دولية حيوية تؤدي وظيفة عامة للاقتصاد العالمي، وهو ما يفرض قيوداً صارمة على إمكانية استخدامها كورقة ضغط سياسية أو عسكرية.

مضيق هرمز -كغيره من الممرات البحرية- ليس مجرد حدود جغرافية بين دول متجاورة، بل تحوّل- وفقاً للقانون الدولي المعاصر- إلى شريان رئيسي للاقتصاد العالمي، الأمر الذي جعل تنظيم الملاحة فيه قضية تتجاوز الدول الساحلية إلى نطاق النظام الدولي نفسه.

ويشير عدد من فقهاء القانون الدولي إلى أن تهديد الملاحة في الممرات قد يُعد تهديداً للسلم والأمن الدوليين، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تدخل الهيئات الدولية، وفي مقدمتها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، باعتبار أن استقرار طرق التجارة العالمية جزء من منظومة الأمن الدولي.

ويستند هذا الحقل القانوني إلى القواعد التي أرستها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي وضعت الإطار الناظم لاستخدام المضائق والممرات البحرية التي تُستعمل للملاحة الدولية، محاولة تحقيق توازن دقيق بين حق الدول المشاطئة في السيادة، ومبدأ حرية الملاحة الذي يقوم عليه النظام البحري العالمي.

وترى المدرسة التقليدية في القانون البحري، التي تعود جذورها الفكرية إلى أطروحات الفقيه الهولندي هوغو غروتيوس، أن البحار يجب أن تبقى فضاءً مفتوحاً أمام جميع الدول، وأن الطرق البحرية الدولية لا يجوز احتكارها أو إغلاقها من جانب أية دولة منفردة، بوصفها منفعة مشتركة للبشرية.

هذه الفكرة، التي عُرفت تاريخياً بمبدأ «حرية البحار»، ما زالت تشكل الأساس النظري لمعظم القواعد القانونية التي تنظم الملاحة في المضائق الحيوية.

واعترفت الاتفاقية الدولية لقانون البحار بأن كثيراً من المضائق تقع داخل المياه الإقليمية لدول معينة، لكنها في الوقت ذاته أقرت نظاماً قانونياً خاصاً يُعرف بـ «المرور العابر»، وهو نظام يمنح السفن والطائرات التابعة لجميع الدول حق العبور المتواصل والسريع عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية. ووفق هذا التصور، لا تستطيع الدولة الساحلية تعطيل الملاحة أو إغلاق المضيق.

ورقة ضغط

هذا التوازن القانوني يكتسب أهمية خاصة في المضائق الاستراتيجية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، مثل مضيق هرمز الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية، ومضيق ملقا الذي يُعد أحد أكثر طرق التجارة ازدحاماً في آسيا.

إضافة إلى مضيق البوسفور الذي يربط البحر الأسود بالبحر المتوسط. في هذه الحالات يرى كثير من خبراء القانون الدولي أن وظيفة المضيق تتجاوز الاعتبارات الوطنية للدول المشاطئة، لأن أي تعطيل لحركة الملاحة فيه يمكن أن ينعكس مباشرة على استقرار الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.

في تقرير لموقع «بي بي سي»، يشرح ألكسندر لوت، أستاذ باحث في قانون البحار بالمركز النرويجي لقانون البحار في جامعة ترومسو، كيف ينظم القانون الدولي للملاحة البحرية عدة أنظمة قانونية تحدد كيفية عبور السفن للمياه المختلفة، وتختلف هذه الأنظمة باختلاف طبيعة المنطقة البحرية التي تمر فيها السفينة. ومن خلال قراءة شاملة لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يمكن تمييز عدد من أنظمة المرور الرئيسية التي تحكم حركة السفن حول العالم.

أول هذه الأنظمة ذلك الخاص بحرية الملاحة في أعالي البحار، وهو المبدأ الأساسي في القانون البحري الدولي. ويعني أن السفن التابعة لجميع الدول تتمتع بحرية التنقل في المياه الدولية خارج نطاق السيادة المباشرة للدول الساحلية، مع الالتزام بالقواعد الدولية المتعلقة بالسلامة وحماية البيئة البحرية.

النظام الثاني، المرور العابر، وهو نظام قانوني خاص بالمضائق التي تُستخدم للملاحة الدولية، ويمنح السفن والطائرات حق العبور المستمر والسريع عبر هذه المضائق من دون أن تتمكن الدول الساحلية من تعطيل هذا المرور.

النظام الثالث هو المرور البريء، ويطبق في المياه الإقليمية للدول الساحلية. ويسمح هذا النظام للسفن الأجنبية بالمرور عبر المياه الإقليمية للدولة طالما كان مرورها غير مضر بأمن الدولة أو نظامها العام.

وبالنظر لمضيق هرمز تحديداً، تزداد التعقيدات بسبب موقعه الجغرافي والقانوني. ويشير خبراء القانون البحري إلى أن إيران تظل مطالبة بمراعاة قواعد الملاحة الدولية وضمان مرور السفن في المضيق، بما في ذلك سفن الدول التي تستخدم هذا الممر الحيوي للتجارة العالمية.