أما في العمق فالقضية تتعلق باختبار حاسم لمعنى النظام الدولي نفسه ولقدرته على حماية القواعد التي يقوم عليها منذ عقود، وفي مقدمتها حرية الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية.
ففي هذا الممر البحري - الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومتراً - يمر منه يومياً ما يقارب خُمس تجارة النفط المنقول بحراً في العالم، إلى جانب جزء كبير من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال، وبخاصة الصادرات المتجهة عبره إلى آسيا.
فإيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق كي تحقق مكسباً استراتيجياً، ويكفيها أن يفشل العالم في ضمان بقائه مفتوحاً. هذا الفشل بحد ذاته، عندما يكون واضحاً وممتداً ومن دون رد، هو النتيجة التي تسعى إليها طهران.
ليس صبراً
كما يبدو لدى النقاشات المتعلقة به في الغرب، بل تبخر في الردع، وتآكل لمصداقية النظام الدولي في حماية قواعده الأساسية، وفي مقدمتها حرية الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية.
ومن المؤكد أن إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل كي تحقق مكسباً استراتيجياً، ويكفيها أن يفشل المجتمع الدولي في ضمان بقائه مفتوحاً ومستقراً. وهذا الفشل بحد ذاته، عندما يكون واضحاً وممتداً ومن دون رد.
هو النتيجة التي تسعى إليها طهران، لأن مجرد بقاء الممر تحت تهديد دائم يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويزرع حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة، ويحوّل حالة عدم اليقين إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية فاعلة.
رسالة خطيرة
بينما تنشغل أكبر قوة في العالم بمداولات وتحركات محدودة، فإن الرسالة التي ستُقرأ في عواصم عديدة ستكون واضحة؛ وتقول إنه يمكن تحدي وتجاوز حدود النظام الدولي من دون دفع الفاتورة.
فاقتصادات أوروبا وآسيا وغيرهما تعتمد بدرجات كبيرة متباينة على استقرار هذا الممر البحري الضيّق. ومن الواضح أن أي اضطراب كبير في الملاحة عبر المضيق ينعكس فوراً على أسعار الطاقة العالمية وسلاسل التوريد.
هذا الاضطراب يؤدي في لحظة واحدة إلى توقف خطوط إنتاج في مدن صناعية أوروبية كبرى مثل شتوتغارت، وارتفاع أسعار الطاقة في طوكيو.
وزحف موجات التضخم إلى اقتصادات دول قد لا يعرف كثير من سكانها حتى موقع المضيق على الخريطة، مع أنها مرتبطة به عبر شبكات التجارة والطاقة.
الفراغ الاستراتيجي
وإذا ترسخت هذه الرسالة فإن الخسارة لن تقتصر على ممر حيوي يتدفق عبره جزء كبير من شحنات الطاقة العالمية، بل ستطال مصداقية الردع الدولي نفسها. وعندما تتآكل مصداقية الردع، فإن استعادتها تصبح أصعب بكثير من الحفاظ عليها.
كما أن طبيعة المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تمنح السفن حق العبور المستمر وفق قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو ما يجعل أي تهديد بإغلاقه أو تعطيل الحركة فيه تحدياً مباشراً للنظام التجاري العالمي.
والمسألة هنا لا تتعلق فقط بممر مائي ضيق، بل بمنظومة كاملة من إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد التي تعتمد عليها اقتصادات آسيا وأوروبا والولايات المتحدة على حد سواء.
، ولهذا فإن أي محاولة لاحتكار التحكم في المضيق باعتبارها انتقالاً من توظيف الجغرافيا إلى استخدام الاقتصاد العالمي رهينة في صراع إقليمي.
وهو تطور لا يمس أمن الطاقة فحسب، بل يختبر أيضاً قدرة النظام الدولي على حماية الممرات البحرية التي يقوم عليها جزء أساسي من حركة التجارة العالمية.
التاريخ يعلمنا أن من تشتبه عليه الأمور، فيخلط بين صبر العالم وخوفه، لن يدرك الفرق بينهما إلا بعد أن تقع الفأس بالرأس.
