أزمة مضيق هرمز.. هل يضيق صدر العالم بإيران؟

يسود في واشنطن وعدد من العواصم الغربية تصور خاطئ وخطير مفاده أن أزمة مضيق هرمز هي في جوهرها أزمة نفط، في حين أن النفط ليس سوى الواجهة الظاهرة.

أما في العمق فالقضية تتعلق باختبار حاسم لمعنى النظام الدولي نفسه ولقدرته على حماية القواعد التي يقوم عليها منذ عقود، وفي مقدمتها حرية الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية.

هذا المضيق الذي يحتل عناوين الأخبار في خضم الحرب الجارية، ليس مجرد ممر نفطي يربط الخليج العربي بخليج عمان، بل أحد الأعصاب الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي.

ففي هذا الممر البحري - الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه 33 كيلومتراً - يمر منه يومياً ما يقارب خُمس تجارة النفط المنقول بحراً في العالم، إلى جانب جزء كبير من التجارة العالمية للغاز الطبيعي المسال، وبخاصة الصادرات المتجهة عبره إلى آسيا.

وفي ظل هذا المعطى المصيري لهذا الشريان الحيوي، فإن اختزال أزمته في كونها أزمة نفط فحسب، ليست سوى قراءة قاصرة للانسدادات الحاصلة في راهن الأزمة.

وما من شك، أن كل يوم يبقى فيه مضيق هرمز رهينة لتهديدات طهران من دون رد حاسم، لا يمثل صبراً استراتيجياً كما يُصوَّر أحياناً، بل يمثل تآكلاً تدريجياً في قوة الردع.

فإيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق كي تحقق مكسباً استراتيجياً، ويكفيها أن يفشل العالم في ضمان بقائه مفتوحاً. هذا الفشل بحد ذاته، عندما يكون واضحاً وممتداً ومن دون رد، هو النتيجة التي تسعى إليها طهران.

ليس صبراً

وظيفة هذا المضيق لا تحتمل أن يكون رهينة بيد إيران، لأن من شأن ذلك أن يفاقم وضعاً لا علاقة له بـ«الصبر الاستراتيجي».

كما يبدو لدى النقاشات المتعلقة به في الغرب، بل تبخر في الردع، وتآكل لمصداقية النظام الدولي في حماية قواعده الأساسية، وفي مقدمتها حرية الملاحة في الممرات البحرية الاستراتيجية.

ومن المؤكد أن إيران لا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل كي تحقق مكسباً استراتيجياً، ويكفيها أن يفشل المجتمع الدولي في ضمان بقائه مفتوحاً ومستقراً. وهذا الفشل بحد ذاته، عندما يكون واضحاً وممتداً ومن دون رد.

هو النتيجة التي تسعى إليها طهران، لأن مجرد بقاء الممر تحت تهديد دائم يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويزرع حالة من عدم اليقين في أسواق الطاقة، ويحوّل حالة عدم اليقين إلى أداة ضغط سياسية واقتصادية فاعلة.

رسالة خطيرة

مثل هذا المشهد يبعث رسالة خطيرة إلى الأنظمة المتمردة في العالم، رسالة مفادها أن سياسة الابتزاز بإمكانها تحقيق نتائج. فإذا استطاعت دولة أن تضع شرياناً اقتصادياً عالمياً رهينة بيدها.

بينما تنشغل أكبر قوة في العالم بمداولات وتحركات محدودة، فإن الرسالة التي ستُقرأ في عواصم عديدة ستكون واضحة؛ وتقول إنه يمكن تحدي وتجاوز حدود النظام الدولي من دون دفع الفاتورة.

وما يجري في مضيق هرمز لا يمكن حصره في نزاع إقليمي بين دول الخليج وإيران، بل اختبار مباشر لحرص العالم على مرفق حيوي يخدم الجميع.

فاقتصادات أوروبا وآسيا وغيرهما تعتمد بدرجات كبيرة متباينة على استقرار هذا الممر البحري الضيّق. ومن الواضح أن أي اضطراب كبير في الملاحة عبر المضيق ينعكس فوراً على أسعار الطاقة العالمية وسلاسل التوريد.

هذا الاضطراب يؤدي في لحظة واحدة إلى توقف خطوط إنتاج في مدن صناعية أوروبية كبرى مثل شتوتغارت، وارتفاع أسعار الطاقة في طوكيو.

وزحف موجات التضخم إلى اقتصادات دول قد لا يعرف كثير من سكانها حتى موقع المضيق على الخريطة، مع أنها مرتبطة به عبر شبكات التجارة والطاقة.

الفراغ الاستراتيجي

على واشنطن أن تدرك جيداً ما تدركه طهران، بأن الفراغ الاستراتيجي قد يكون أخطر من الصواريخ والزوارق السريعة والتهديدات العسكرية المباشرة، لأن غياب الحسم قد يتحول بحد ذاته إلى أداة ضغط وابتزاز.

وكلما طال هذا الفراغ ازدادت المفاعيل المترتبة عليه وضوحاً وخطورة، وأصبحت الرسالة بسيطة وخطيرة بأنه يمكن ابتزاز النظام الدولي، وأن أحداً لن يوقف هذا الابتزاز.

وإذا ترسخت هذه الرسالة فإن الخسارة لن تقتصر على ممر حيوي يتدفق عبره جزء كبير من شحنات الطاقة العالمية، بل ستطال مصداقية الردع الدولي نفسها. وعندما تتآكل مصداقية الردع، فإن استعادتها تصبح أصعب بكثير من الحفاظ عليها.

ليس من المقبول أن يتحول شريان حيوي للاقتصاد العالمي إلى ورقة ابتزاز جيوسياسي، إذ إن هذا الممر لا يخص دولة بعينها بقدر ما يشكل مصلحة دولية مشتركة.

كما أن طبيعة المضائق المستخدمة للملاحة الدولية تمنح السفن حق العبور المستمر وفق قواعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وهو ما يجعل أي تهديد بإغلاقه أو تعطيل الحركة فيه تحدياً مباشراً للنظام التجاري العالمي.

والمسألة هنا لا تتعلق فقط بممر مائي ضيق، بل بمنظومة كاملة من إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد التي تعتمد عليها اقتصادات آسيا وأوروبا والولايات المتحدة على حد سواء.

، ولهذا فإن أي محاولة لاحتكار التحكم في المضيق باعتبارها انتقالاً من توظيف الجغرافيا إلى استخدام الاقتصاد العالمي رهينة في صراع إقليمي.

وهو تطور لا يمس أمن الطاقة فحسب، بل يختبر أيضاً قدرة النظام الدولي على حماية الممرات البحرية التي يقوم عليها جزء أساسي من حركة التجارة العالمية.

ولا شك أن حاملات الطائرات والبيانات والتحركات الدبلوماسية قد تنجح في معالجة الأزمات، لكنها لا تستطيع أن تعيد بسهولة المصداقية إن فقدت.

التاريخ يعلمنا أن من تشتبه عليه الأمور، فيخلط بين صبر العالم وخوفه، لن يدرك الفرق بينهما إلا بعد أن تقع الفأس بالرأس.