«علي الطاهر».. مرتفع يختبر المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية

الدخان يتصاعد من موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مرتفعات علي الطاهر
الدخان يتصاعد من موقع الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مرتفعات علي الطاهر

مسيّرتان وقصف إسرائيلي تعيد الموقع إلى الواجهة.. وجولة المفاوضات الثامنة بلا موعد

عون يقر بأن ما تحقق ليس إنجازاً كاملاً.. والخلاف يكشف معضلة الانسحاب والسلاح وانتشار الجيش

أعادت جولة جديدة من النار مرتفعات علي الطاهر إلى قلب المشهد في جنوب لبنان، أمس، بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي أن «حزب الله» أطلق مسيّرتين مفخختين باتجاه قواته في المنطقة، ورد بغارات وقصف على محيط النبطية، مؤكداً أنه سيواصل عملياته في المرتفعات.

ولم يبقَ التصعيد محصوراً في الموقع، حيث قُتل شخص وأصيب آخر في غارة إسرائيلية على النبطية، فيما تعرض مرتفع علي الطاهر ومحيط تلة الدبشة ودوحة كفر رمان وأطراف ميفدون وزوطر الشرقية لقصف مكثف، ونفذت القوات الإسرائيلية تفجيراً كبيراً في كفر تبنيت.

لكن عودة النار إلى علي الطاهر تأتي هذه المرة فيما تواجه المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية اختباراً أكثر تعقيداً.

فبعد سبع جولات من المحادثات، لا يزال موعد الجولة الثامنة غير محسوم، بينما أقر الرئيس اللبناني جوزيف عون بأن ما تحقق حتى الآن ليس إنجازاً كاملاً في ظل استمرار الهجمات الإسرائيلية، مجدِّداً تأكيده أن هدف المفاوضات مع إسرائيل تجنيب لبنان ويلات الحرب وحماية سيادته واستقراره.

وقال: «اتخذنا خيار التفاوض، لأنه لم يكن لدينا من خيار آخر.

فخيار الحرب لن يؤدي إلا لمزيد من المآسي والخراب من دون أي نتيجة أخرى.

ولطالما قلت إنني منفتح على أي خيار يؤدي إلى تحقيق الأهداف الرئيسية من دون دم أو دمار»، وقال: «صحيح أن ما قمنا به ليس إنجازاً كاملاً في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب، إلا أنه صار هناك نوع من الضوابط نسعى من خلالها إلى تحقيق وقف إطلاق النار بشكل كامل والانسحاب الإسرائيلي تمهيداً لإطلاق الأسرى».

وتعود المفاوضات إلى اتفاق الإطار الذي توصل إليه الجانبان برعاية أمريكية في يونيو، والذي فتح الطريق أمام ترتيبات تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي، وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية، ومعالجة السلاح خارج سلطة الدولة.

وبدأ تطبيق الترتيبات في مناطق محددة باعتبارها اختباراً لإمكان توسيعها لاحقاً إلى بقية الجنوب.

وهنا تتجاوز أهمية علي الطاهر حدود موقع عسكري يتبادل الطرفان النار حوله.

فالجيش الإسرائيلي ينظر إلى المرتفعات باعتبارها ملفاً أمنياً لم يغلق بعد، ويقول إن في المنطقة بنى تحت الأرض تابعة لـ«حزب الله».

وذكرت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، في تقرير أواخر أغسطس، أن الخلاف بشأن المرتفعات أصبح مرتبطاً بتعثر تحديد الجولة التالية من المفاوضات، فيما تحدثت عن جهود لبنانية لإقناع الحزب بإخلاء المنطقة وتسليمها للجيش.

وبذلك لا تصبح المشكلة فقط من يسيطر على علي الطاهر، وإنما ما الذي يجب أن يحدث قبل انتقال السيطرة.

فالترتيبات المطروحة تبدو واضحة نظرياً: إسرائيل تنسحب، الجيش اللبناني ينتشر، والسلاح يصبح تحت سلطة الدولة. لكن «علي الطاهر» تكشف صعوبة تنفيذ هذه الخطوات في توقيت واحد.

إسرائيل تريد ضمان ألّا يؤدي انسحابها إلى عودة «حزب الله» إلى المواقع التي تخليها.

لبنان، في المقابل، يطالب بإنهاء الوجود الإسرائيلي وبسط سلطة الدولة، فيما يرفض الحزب تسليم سلاحه.

وهنا تظهر الحلقة التي تعطل التقدم: كل خطوة أصبحت مرتبطة بخطوة يريد أحد الأطراف أن تسبقها.

وتفسر هذه المعضلة أيضاً حساسية السجال الذي دخل عليه الجيش اللبناني، أمس، بنفي رواية نقلتها هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول أمريكي مجهول، زعمت أن ضباطاً لبنانيين يعارضون انسحاب إسرائيل في المرحلة الحالية خشية عودة «حزب الله».

ووصف الجيش اللبناني ما يتم تداوله بأنه «أخبار مفبركة»، محذراً من محاولات استهداف المؤسسة وزعزعة الثقة بها.

أهمية هذا السجال تتجاوز النفي نفسه؛ فالجيش هو المؤسسة التي يفترض أن تتولى السيطرة على المناطق التي تنسحب منها إسرائيل، وبالتالي فإن قدرته على الانتشار وفرض سلطة الدولة أصبحت جزءاً أساسياً من حسابات نجاح المسار كله.

وفي موازاة ذلك، التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو في القدس السفير الأمريكي لدى لبنان، ميشال عيسى، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، أول من أمس، في ظل استمرار الجهود الأمريكية لدفع المفاوضات، لكن من دون حسم موعد الجولة الجديدة.

ويبدو أن المحادثات نجحت في إبقاء قناة سياسية مفتوحة، لكنها لم تحسم السؤال الأصعب: كيف يمكن جعل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش وحصر السلاح خطوات متزامنة، بدلاً من أن يبقى تنفيذ كل منها مشروطاً بتنفيذ الأخرى؟

وفي مرتفعات علي الطاهر تحديداً ينتقل هذا السؤال من طاولة المفاوضات إلى الأرض.