لبنان أمام مرحلة جديدة.. هل يقود انتشار الجيش إلى استعادة القرار السيادي؟

في خطوة تحمل أبعاداً أمنية وسياسية تتجاوز حدود الانتشار العسكري التقليدي، بدأ الجيش اللبناني تنفيذ أولى مراحل انتشاره الميداني في عدد من بلدات الجنوب، ضمن ترتيبات جديدة يُنظر إليها باعتبارها اختباراً عملياً لقدرة الدولة اللبنانية على بسط سلطتها واستعادة حضورها في مناطق ظلت لعقود ساحة للتجاذبات الأمنية والعسكرية.

ودخل الجيش اللبناني بلدة زوطر الغربية،  أمس وواصل اليوم الأربعاء الكشف على معالمها لتفكيك الأسلحة والذخائر من مخلفات الحرب، بغرض تأمين المنطقة وإعادة السكان إليها بأمان، بالتزامن مع انتشار مماثل في بلدتي صريفا وفرون بقضاء بنت جبيل.

وتندرج هذه المناطق ضمن ما يُعرف بـ«المناطق التجريبية»، التي نص عليها اتفاق إطاري تم التوصل إليه في يونيو الماضي برعاية أمريكية، بهدف اختبار آليات الانتشار العسكري وترتيبات الانسحاب الإسرائيلي التدريجي مقابل تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وحصر الوجود المسلح بالمؤسسات الشرعية.

حراك دبلوماسي

وجاء هذا التطور بالتزامن مع حراك دبلوماسي مكثف قاد الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن، حيث أجرى مباحثات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولين أمريكيين تناولت سبل دعم الجيش اللبناني وتثبيت الاستقرار في الجنوب، وسط رهانات على أن يشكل هذا المسار مدخلاً لإعادة رسم المشهد الأمني اللبناني.

وأكد  عون أن نزع سلاح «حزب الله» ممكن إذا كنا صادقين بشأن ما يتطلبه الأمر فعلاً، أي إزالة الاحتلال الإسرائيلي وتولي الجيش اللبناني السيطرة الكاملة وبرنامج إعادة إعمار تديره الدولة وحدها.

تحديات

ويرى مراقبون أن انتشار الجيش في هذه المناطق يمثل أول اختبار ميداني حقيقي لمشروع استعادة الدولة لقرارها الأمني، في ظل سعي السلطات اللبنانية إلى تعزيز حضور المؤسسات الشرعية في الجنوب وتوسيع نطاق سيطرتها على الأرض.غير أن هذا المسار لا يخلو من التحديات؛ فقد شهدت الساعات الأولى من الانتشار حوادث ميدانية تمثلت في إطلاق نار تحذيري من الجانب الإسرائيلي قرب مواقع الجيش في زوطر الغربية، إلى جانب غارات استهدفت مناطق في الجنوب، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني واستمرار احتمالات التصعيد رغم التفاهمات القائمة.

كما يلفت محللون إلى أن نجاح الانتشار العسكري يبقى مرتبطاً بمدى قدرة القوى السياسية اللبنانية على توفير غطاء داخلي داعم لهذا المسار، خصوصاً أن قضية حصرية السلاح بيد الدولة لا تزال تمثل أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيداً على الساحة اللبنانية.

ثلاثة سيناريوهات

في ضوء المعطيات الحالية، يطرح خبراء الشؤون الاستراتيجية ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الجنوب اللبناني ومسار استعادة السيادة.يتمثل السيناريو الأول في نجاح النموذج المطبق داخل المناطق التجريبية، بما يسمح بتوسيع نطاق انتشار الجيش تدريجياً، ويشجع على استكمال الانسحاب الإسرائيلي من المناطق المتبقية، بالتوازي مع زيادة الدعم الدولي للمؤسسة العسكرية اللبنانية. ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره الأكثر انسجاماً مع أهداف الاتفاق الإطاري، لكنه يتطلب استقراراً ميدانياً وتوافقاً سياسياً طويل الأمد.

أما السيناريو الثاني، الذي يعتبره عدد من المحللين الأقرب إلى الواقع، فيقوم على استمرار التقدم البطيء والمتدرج وسط خروقات أمنية متفرقة وتعقيدات سياسية داخلية. ووفق هذا التصور، ينجح الجيش في تثبيت وجوده ومنع الانفجار الشامل، لكنه يواجه صعوبات في فرض سيادة كاملة وسريعة على مختلف المناطق، ما يبقي الجنوب في حالة توازن هش بين الاستقرار والتوتر.

في المقابل، لا يستبعد مراقبون سيناريو ثالثاً يقوم على انهيار الترتيبات الحالية نتيجة احتكاكات ميدانية أو خلافات داخلية حادة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجميد الاتفاقات القائمة وعودة المنطقة إلى دائرة المواجهة والتصعيد.استعادة تدريجيةويرى الكاتب السياسي اللبناني حنا صالح أن إعادة انتشار الجيش اللبناني في الجنوب تمثل خطوة أساسية على طريق استعادة الدولة لسيادتها الكاملة، لكنه يؤكد أن هذا المسار لا يمكن أن يتحقق دفعة واحدة، بل يحتاج إلى مراحل متدرجة تترافق مع تثبيت سلطة المؤسسات الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.

ويقول صالح إن أهمية التطورات الأخيرة تكمن في أنها تنقل لبنان من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة بناء الدولة القادرة على فرض حضورها الأمني والسياسي، موضحاً أن بدء انتشار الجيش في بعض المناطق الجنوبية يشكل مؤشراً عملياً على عودة الدولة إلى القيام بدورها الطبيعي بعد سنوات طويلة من التداخل بين الواقعين الأمني والسياسي.

ويؤكد أن الدعم الدولي المعلن للجيش اللبناني يعزز فرص نجاح هذه العملية، كما أن أي انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية سيمنح المؤسسة العسكرية مساحة أكبر لترسيخ وجودها وتوسيع نطاق انتشارها بما يخدم استقرار المناطق الحدودية.

ويضيف أن استعادة السيادة لا ترتبط فقط بالانتشار العسكري، بل أيضاً بقدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها السياسية والأمنية، وفي مقدمتها حصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الشرعية، معتبراً أن نجاح هذه الخطوات من شأنه أن يعزز الاستقرار الداخلي ويعيد ثقة المجتمع الدولي بلبنان.اختبار للسيادة.

من جانبه، يرى الكاتب والباحث السياسي الدكتور ميشال الشمّاعي أن بدء تنفيذ اتفاق الإطار يشكل نقطة انطلاق مهمة على طريق استعادة السيادة اللبنانية بصورة تدريجية، معتبراً أن الاتفاق يفتح الباب أمام إعادة انتشار الجيش اللبناني في المناطق الجنوبية وتعزيز حضور الدولة على الأرض.

ويقول الشمّاعي إن تطبيق «المناطق التجريبية» يمثل اختباراً عملياً لقدرة المؤسسات الشرعية على بسط سلطتها، موضحاً أن نجاح هذه التجربة سيسمح بتوسيع نطاق انتشار الجيش تدريجياً ليشمل مختلف المناطق الجنوبية، وصولاً إلى استعادة السيطرة الكاملة للدولة على أراضيها.ويؤكد أن مفهوم السيادة يبدأ فعلياً عندما تصبح مسؤولية الأمن والدفاع محصورة بالمؤسسات الرسمية، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية قد تؤسس لإنهاء حالة ازدواجية القرار الأمني والعسكري التي طبعت المشهد اللبناني خلال العقود الماضية.

ويضيف أن استعادة الجيش اللبناني لانتشاره الكامل من شأنها أن تعيد ملفي الحرب والسلم إلى إطار المؤسسات الدستورية اللبنانية، باعتبارها الجهة المخولة حصراً باتخاذ القرارات السيادية المرتبطة بالأمن الوطني.