«الضاحية».. من ساحة حرب إلى عصا في دولاب الدبلوماسية

دخان متصاعد من بلدة كفر تبنيت بجنوب لبنان بعد غارة إسرائيلية
دخان متصاعد من بلدة كفر تبنيت بجنوب لبنان بعد غارة إسرائيلية

جاء القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية لبيروت في توقيت حساس للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يكرر خلال الساعات الماضية التبشير باتفاق على وشك التوقيع مع إيران.

لذلك كان ترامب حاداً في انتقاده الغارة، وكتب على منصة تروث سوشال: «ما كان ينبغي أن يحدث الهجوم على بيروت هذا الصباح (أمس)».

وتابع: «نحن قريبون جداً من اتفاق سيجلب السلام إلى المنطقة، بما في ذلك لبنان، وعلى جميع الأطراف التراجع». وختم بالقول: «قد تكون هذه بداية سلام طويل وجميل، فلا تفسدوه!».

لذلك لم يكن لافتاً القصف بحد ذاته، بقدر ما كان لافتاً أن يأتي الاعتراض عليه من ترامب شخصياً، الذي رأى أن العملية تهدد فرصة سلام باتت أقرب من أي وقت مضى.

في العادة، كانت الخلافات الأمريكية الإسرائيلية حول إيران تدور حول تفاصيل الاتفاقات وشروطها. أما اليوم، فيبدو أن الخلاف يتجاوز ذلك إلى النظرة نفسها للمنطقة.

فترامب يتحدث عن تسوية شاملة تربط بين الساحات، بحيث يصبح الاتفاق مع طهران مدخلاً لخفض التوتر في لبنان وربما في ساحات أخرى. في المقابل، لطالما نظر نتانياهو إلى هذا النوع من المقاربات بعين الريبة، منزعجاً من ربط الملفات باعتباره يمنح إيران فرصة لتحويل نفوذها الإقليمي إلى ورقة تفاوضية.

الربط المزعج

وإذا كانت واشنطن ترى أن التهدئة في لبنان جزء من المسار التفاوضي الأوسع مع إيران، فإن إسرائيل تبدو حريصة على التأكيد أن الجبهة اللبنانية ستظل محكومة باعتباراتها الأمنية المباشرة بغض النظر عن أي تفاهمات سياسية في مكان آخر.

لذلك أبدى نتانياهو في أكثر من مناسبة انزعاجه من محاولات الربط بين الملفات المختلفة. فهو يرى أنه لا ينبغي تحوّل أي تسوية مع إيران إلى قيد على التحرك الإسرائيلي في لبنان أو سوريا.

وفي هذا السياق، يصعب تجاهل فرضية أن يكون توقيت الغارة مرتبطاً بالرغبة في اختبار رد الفعل الإيراني أو حتى تعقيد البيئة السياسية المحيطة بالمفاوضات، بحيث تجد إيران نفسها أمام معادلة دقيقة؛ فإما رد قد يهدد الاتفاق ويعيد المنطقة إلى حافة المواجهة، أو تمرير الغارة ما يُفسَّر على أنه تنازل مجاني في لحظة حساسة.

لكن المفارقة أن الضربة قد تكون كشفت شيئاً آخر أكثر أهمية من الرد الإيراني نفسه، وهو حدود التفاهم بين ترامب ونتانياهو. فالرئيس الأمريكي الذي تحدث قبل أيام عن محادثة قاسية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي عاد ليوبخ الغارة علناً، في مؤشر إلى أن الخلاف بينهما لم يعد يدور فقط حول التكتيكات، بل حول الوجهة التي ينبغي أن تتجه إليها المنطقة في مرحلة التبريد.

كلما اقترب الاتفاق الأمريكي الإيراني، ازداد احتمال أن تتحول كل ضربة عسكرية وكل حادث أمني إلى جزء من صراع سياسي أوسع حول شكل التسوية المقبلة.

وفي ظل هذا المشهد، قد لا تكون الضاحية مجرد ساحة مواجهة بين إسرائيل و«حزب الله»، بل إحدى الساحات التي يتجلى فيها التباين المتزايد بين ترامب ونتانياهو حول مستقبل الشرق الأوسط نفسه.