لا يبدو الثلاثون من سبتمبر الجاري مجرد تاريخ عسكري في روزنامة العلاقات العراقية - الأمريكية، فالموعد الذي لا يمكن النظر إليه باعتبارها مجرد موعد عسكري تنسحب فيه قوات الأمريكية من الأراضي العراقية، بل باعتبارها بداية مرحلة جديدة في تاريخ الدولة العراقية وعلاقاتها الإقليمية والدولية، بما يمثل اختباراً جديداً للسيادة والأمن في العراق، حيث يطوي العراق صفحة الوجود العسكري الأمريكي، لكنه يفتح في المقابل فصلاً أكثر تعقيداً في إدارة الأمن والسياسة والعلاقات الخارجية.
مع بدء العد التنازلي للانسحاب الأمريكي يعود إلى الواجهة الجدل الداخلي بشأن مستقبل السلاح خارج إطار الدولة، ولا سيما ما يتعلق بالفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ما يضع العراق الاتحادي أمام سؤال صعب: هل هو مستعد لملء هذا الفراغ، أم أن الأراضي العراقية ستتحول مرة أخرى إلى ساحة للتنافس بين القوى الداخلية والخارجية؟
ملف السلاح سيكون من أبرز الاختبارات التي ستواجه الدولة العراقية في المرحلة المقبلة، لأن مفهوم السيادة لا يكتمل بالسيطرة على الحدود أو بانتهاء وجود القوات الأجنبية، وإنما يرتبط أيضاً بقدرة الدولة على أن تكون صاحبة القرار الأمني والعسكري.
الانسحاب يمنح بغداد فرصة لإعادة صياغة علاقتها مع واشنطن على أسس سياسية واقتصادية، بعدما ظل الجانب الأمني المحور الرئيسي للعلاقة منذ عودة القوات الأمريكية إلى العراق عام 2014.
بالنسبة لبغداد، يمثل الانسحاب تأكيداً مهماً لسيادة الدولة؛ إذ لن تعود قوات التحالف الأجنبية تعمل على الأراضي العراقية، في إطار المهمة المخصصة لمواجهة تنظيم «داعش» الإرهابي، تبدو البلاد مقبلة على مرحلة أكثر غموضاً مما كانت عليه، ويشكل الانسحاب منعطفاً سياسياً سيعيد رسم خريطة النفوذ، ليبقى السؤال الحاسم عمن سيملأ الفراغ؟
لا شك في أنه ستكون هناك سيادة عراقية أكبر على الأرض، ولكنها تحتاج إلى قدرة أكبر على حماية هذه السيادة، ووضع خطة وطنية لما بعد 30 سبتمبر، تتضمن الأمن والدفاع والاستخبارات والدبلوماسية والاقتصاد.
وبرأي العراقيين فهو خطوة مهمة على طريق استعادة السيادة الوطنية، وحلقة مؤثرة في مسلسل التحرر التام، الذي ينتظره الجميع بفارغ الصبر، ولكن حتى تتم الفرحة لا بد من تحقيق مجموعة من الإجراءات، وتصحيح مجموع الأخطاء التي ارتكبت خلال السنوات المنصرمة، وألحقت الويلات بالعراق لا سيما ما يتعلق بحصر السلاح بأيدي الدولة، وإلغاء التشكيلات المسلحة.
السيطرة على السلاح
تعد محاولات حكومة علي الزيدي للسيطرة على السلاح، والحد من نفوذ الميليشيات خطوة ضرورية، حيث منحت مهلة إلى غاية يونيو 2027 للتشكيلات المسلحة لضبط السلاح، إلا أن الطريق ليس سهلاً، فالقوى التي تحمل السلاح خارج إطار الدولة تمتلك، منذ سنوات، نفوذاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، ولا يمكن معالجة هذا الوضع إلا بالحزم في ظل إصرار الفصائل على الاحتفاظ بسلاحها إلى ما بعد الانسحاب الأمريكي، ما يمنح الفصائل الرافضة أيضاً وقتاً إضافياً لإعادة ترتيب موقفها، والتفاوض على شروط التسليم أو الاندماج، ومن ثم فإن نجاح مرحلة ما بعد الانسحاب سيعتمد على قدرة بغداد على تحويل التطور، الذي حققته مؤسساتها الأمنية خلال السنوات الماضية إلى منظومة وطنية متكاملة، تقوم على وحدة القرار الأمني والعسكري، وتكامل العمل الاستخباري والعملياتي، وحماية الحدود، وتعزيز احتكار الدولة للسلاح.
وتتمثل القضية الأساسية في موقف واشنطن إذا لم تتخذ الحكومة العراقية إجراءات واضحة لحصر السلاح، وإبعاد مؤسسات الدولة عن النفوذ الإيراني، حيث يواجه العراق احتمالات ثقيلة، إذ لم يعد مجرد ساحة جانبية للصراع، بل غدا هدفاً محتملاً، بالتزامن مع شروع القوات الأمريكية في الانسحاب من قواعدها، وهو ما يعمّق المخاوف داخلياً وإقليمياً.
أدوات نفوذ
تقرير تحليلي أعده موقع «أويل برايس» البريطاني المتخصص بالشؤون الجيوستراتيجية أن الولايات المتحدة ستحتفظ بأدوات نفوذ رئيسة داخل العراق عقب إكمال انسحاب قواتها العسكرية في 30 سبتمبر الجاري، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تستوجب إعادة صياغة طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن عبر التحول من الوجود الميداني إلى الشراكة الاقتصادية والدبلوماسية، لافتاً إلى أن واشنطن تمتلك أوراق ضغط وفرص تعاون متعددة، أبرزها صفقات التسلح والمعدات الدفاعية، والتنسيق الاستخباري، والنفوذ الدبلوماسي، إضافة إلى التكنولوجيا والاستثمارات والدخول للأسواق الغربية.
