تشهد العلاقات العراقية الأمريكية مرحلة جديدة، توصف بأنها الأكثر حساسية منذ عام 2003، بعد الزيارة الرسمية الأولى لرئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي، إلى واشنطن، ولقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية.
حيث تقايض واشنطن شراكتها الاقتصادية مع بغداد، بإنهاء النفوذ الإيراني، وحصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يضع حكومة الزيدي أمام اختبار صعب لتفكيك التشكيلات المسلحة وحلها.
في الأثناء، يستعد العراق لإنهاء الوجود العسكري الأمريكي على أراضيه بحلول 30 سبتمبر المقبل، بعد 23 عاماً من وجود القوات الأمريكية، في خطوة تمثل تحولاً في طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن، من التعاون العسكري إلى الشراكة الاقتصادية والاستثمارية، بالتزامن مع مساعي الحكومة العراقية لحصر السلاح بيد الدولة، وتهيئة بيئة أكثر استقراراً لجذب الاستثمارات الأجنبية.
كشفت زيارة الزيدي لواشنطن عن ملامح مقاربة أمريكية جديدة، تربط مستقبل الشراكة مع بغداد بمعادلة ثلاثية، تقوم على حصر السلاح بيد الدولة، وتمكين العراق من إدارة أمنه بصورة مستقلة، وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية.
ويفتح هذا الاختبار الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن قدرة الحكومة العراقية على تنفيذ أي مشروع فعلي لحصر السلاح بيد الدولة، خصوصاً في ظل النفوذ السياسي والعسكري الكبير الذي تمتلكه تلك الفصائل.
وتشابك مصالحها داخل مؤسسات الدولة والاقتصاد والأمن، فضلاً عن الارتباطات الإقليمية المعقدة، التي تجعل ملف السلاح أحد أكثر الملفات حساسية في العراق، منذ عام 2003 وحتى اليوم.
ويرى مراقبون أن هذه المعادلة تمثل تحولاً في طبيعة العلاقة بين البلدين، إذ لم تعد واشنطن تركز فقط على الجوانب الأمنية والعسكرية، بل باتت تربط نجاح المشاريع الاقتصادية الكبرى، بقدرة الدولة العراقية على فرض سيادتها الكاملة، وإنهاء ظاهرة السلاح الموازي خارج المؤسسات الرسمية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تسعى فيه بغداد إلى الاستفادة من حزمة اتفاقيات ومذكرات تفاهم، قيل إن قيمتها تقترب من 60 مليار دولار، شملت قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاستثمار، وفي مقدمها مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب النفط بين حديثة وبانياس، بالتعاون مع شركة «شيفرون»، بما يعزز قدرة العراق على زيادة صادراته النفطية، وتنويع منافذه الاقتصادية.
ويعتقد محللون أن ربط الاستثمارات والأمن بملف حصر السلاح، يمثل أداة ضغط مزدوجة على الحكومة العراقية. فبغداد تحتاج إلى توفير بيئة مستقرة وآمنة لجذب الشركات العالمية، وحماية المشاريع الاستراتيجية.
ومن ناحية أخرى، فإن إنهاء ظاهرة السلاح الموازي، يعد شرطاً أساسياً لإنجاح مسار إنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، والمقرر أن تصل إلى مراحلها النهائية خلال الأشهر المقبلة.
وبحسب هذه الرؤية، فإن أي تقدم اقتصادي كبير، سيظل رهيناً بقدرة الدولة على احتكار استخدام القوة وتطبيق القانون على جميع الأطراف، وهو ما يضع الحكومة العراقية أمام اختبار سياسي وأمني معقد، يتعلق بمستقبل الفصائل المسلحة وعلاقتها بمؤسسات الدولة.
بين الدمج والمواجهة
وتشير تقديرات سياسية إلى أن استجابة الساحة العراقية لهذا الضغط الخارجي، قد تسير عبر مسارين متوازيين. الأول يقوم على دمج الفصائل والتشكيلات المسلحة تدريجياً ضمن الأطر الرسمية، بما يحافظ على مصالحها السياسية والاقتصادية، ويجنب البلاد أي صدامات واسعة.
أما المسار الثاني، فيتعلق بإمكانية بروز جيوب متشددة، ترفض التخلي عن سلاحها أو إعادة تعريف دورها، الأمر الذي قد يقود إلى مواجهات محدودة وموجهة لفرض سلطة الدولة.
كما تسعى بغداد، وفق مراقبين، إلى استثمار علاقاتها المتوازنة مع كل من واشنطن وطهران، لتخفيف حدة الضغوط المتبادلة، ومنع تحوّل العراق إلى ساحة مواجهة مباشرة بين الطرفين.
ولهذا، تأتي التحركات الدبلوماسية العراقية ومبادرات الوساطة في إطار محاولة توفير مظلة سياسية، تساعد على تنفيذ الإصلاحات الأمنية بأقل قدر من الكلفة.
احتواء تدريجي
في هذا السياق، ترى الدكتورة سمر الخمليشي أستاذة العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس في الرباط، أن ربط واشنطن التعاون المستقبلي مع بغداد بملف حصر السلاح بيد الدولة، سيزيد من الضغوط السياسية على الحكومة العراقية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى مواجهة حاسمة وسريعة مع الميليشيات الموالية لإيران.
وتوضح أن القضية تجاوزت بعدها الأمني، لتصبح جزءاً من معادلة التوازنات السياسية الداخلية والإقليمية، مشيرة إلى أن الحكومة العراقية تدرك أهمية احتكار الدولة لاستخدام القوة، باعتباره شرطاً لترسيخ السيادة، وتعزيز الاستقرار وجذب الاستثمارات، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب توافقاً داخلياً وتدرجاً في التنفيذ.
وتتوقع الخمليشي أن تعتمد بغداد سياسة الاحتواء التدريجي، من خلال تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية، وإعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل المسلحة، وربط نشاطها بالمؤسسات الرسمية، بدلاً من اللجوء إلى خيار الصدام المفتوح، الذي قد يهدد الاستقرار الداخلي.
كما تؤكد أن نجاح هذا المسار يرتبط بدرجة كبيرة بمستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، فكلما اتجهت نحو التهدئة، زادت فرص العراق في تنفيذ إصلاحات أمنية سلسة، بينما يؤدي التصعيد إلى تضييق هامش الحركة أمام الحكومة العراقية.
هندسة التوازنات
من جانبه، يرى الدكتور أشرف سنجر أستاذ السياسات الدولية، أن زيارة الزيدي إلى واشنطن، تمثل نقطة تحول في العلاقات العراقية الأمريكية، ومحاولة لإعادة هندسة التوازنات داخل العراق.
ويشير إلى أن الزيدي يمثل نموذجاً مختلفاً عن القيادات السياسية التقليدية، إذ يأتي من خلفية اقتصادية ومصرفية، ويركز على إعادة بناء الاقتصاد العراقي، ومحاربة الفساد، وتطوير قطاع النفط، إلى جانب تعزيز مفهوم الدولة الوطنية بعيداً عن الاصطفافات الطائفية.
ويؤكد سنجر أن حصول رئيس الوزراء العراقي على دعم نسبي من المكونات الشيعية والسنية والكردية، يمنحه فرصة للتحرك، وتنفيذ إصلاحات اقتصادية وأمنية، رغم التحفظات التي تبديها بعض القوى المقربة من إيران.
ويضيف أن واشنطن تراهن على نجاح هذه المقاربة، لأنها تتيح تعزيز الاستثمارات الأمريكية، وتقليص مساحة النفوذ الإيراني تدريجياً، من دون الدخول في مواجهة مباشرة، قد تهدد استقرار العراق.
ويخلص إلى أن نجاح هذه الرؤية، سيظل مرهوناً بقدرة الزيدي على الحفاظ على التوافق الداخلي، وتحويل المصلحة الوطنية العراقية إلى المرجعية العليا فوق الاعتبارات الطائفية والإقليمية، رغم صعوبة التحديات وتعقيدات البيئة السياسية المحيطة بالعراق.
