واشنطن تقوّض ورقة «هرمز» من طهران

سفن لا تزال عالقة في مضيق هرمز
سفن لا تزال عالقة في مضيق هرمز

عقوبات جديدة و«إقصاء اقتصادي» يلاحقان شرايين الإيرادات الإيرانية

موسكو ترفض رسوم العبور عبر «هرمز».. وطوابير الوقود تتفاقم في طهران

تتجه الولايات المتحدة إلى تحويل الواقع الميداني الجديد في مضيق هرمز إلى رافعة لتشديد الخناق العسكري والاقتصادي على إيران، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن واشنطن تحقق التفوق في معركة المضيق.

فيما أكدت القيادة المركزية الأمريكية تطهير ممرات الملاحة الدولية من الألغام واستمرار الحصار البحري أوقف صادرات النفط الإيرانية، بالتوازي مع عقوبات جديدة وحملة لـ«قطع الشرايين الاقتصادية» لطهران، بينما تتفاقم أزمة الوقود في الداخل الإيراني وتمتد الطوابير أمام بعض محطات طهران لأكثر من كيلومتر.

وقال ترامب لموقع «أكسيوس» إن «المضيق مفتوح الآن»، وإن الولايات المتحدة تحقق التفوق في معركة المضيق، وإن الرد الإيراني متواضع جداً، مضيفاً أن الإيرانيين لا يريدون أن تعود الولايات المتحدة إلى مهاجمتهم، وأن هذه خلاصة الأمر.

وقال مسؤولون أمريكيون للموقع إن واشنطن نجحت تدريجياً خلال الشهرين الماضيين في تقويض جانب كبير من سيطرة إيران على المضيق، الذي كان يمثل إحدى أقوى أوراقها منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير.

وفي إشارة رمزية إلى التحول الذي تقول واشنطن إنها فرضته، نشر ترامب عبر «تروث سوشيال» صورة للأقاليم الأمريكية أضاف إليها مضيق هرمز ووضع قربه كلمة «جديد»، بعدما كان نشر قبل عشرة أيام خريطة وصف فيها المضيق بأنه «أرض أمريكية جديدة».

وقال ترامب أيضاً إنه لا يريد الاجتماع مع إيران، وإن الإيرانيين هم الذين يريدون ذلك و«يتوسلون لإبرام اتفاق».

تقويض السيطرة الإيرانية

وبحسب مسؤولين أمريكيين تحدثوا إلى «أكسيوس»، بات الجيش الأمريكي يسيطر فعلياً على معظم المضيق، فيما تراجعت قدرة إيران على إصابة السفن العابرة بدقة، إذ تعرض 2% فقط من السفن التي عبرت خلال الشهر الماضي للإصابة.

وقال المسؤولون إن القوات الأمريكية أزالت أكثر من 200 جسم شبيه بالألغام من الممر الرئيسي، تبين أن 11 منها فقط ألغام فعلية، وإن عدداً قليلاً منها كان مزروعاً بصورة صحيحة.

وتأمل واشنطن بحلول منتصف سبتمبر في توسيع حركة الملاحة بما يسمح بمرور 50 سفينة من المضيق وإليه كل ليلة.

وأكد قائد القيادة المركزية الأمريكية الأدميرال براد كوبر أن القوات الأمريكية طهرت ممرات الشحن الدولية من ألغام قال إن الحرس الثوري الإيراني زرعها.

موضحاً أن عمليات الإزالة نفذها غواصون وقوات خاصة بدعم جوي. وقال إن نحو 50 ألف عسكري أمريكي، وأكثر من 20 سفينة حربية ومئات الطائرات يشاركون في تنفيذ الحصار البحري على الموانئ الإيرانية وضمان استمرار حركة الملاحة.

وإن القوات الأمريكية ساعدت نحو 1500 سفينة تجارية تحمل قرابة 750 مليون برميل من النفط على عبور المضيق. وأضاف أنها أعادت 75 سفينة حاولت خرق الحصار وعطلت ثلاث سفن لم تمتثل للأوامر، مؤكداً أن إيران لم تصدر النفط منذ استئناف الحصار البحري منتصف يوليو.

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن الولايات المتحدة نقلت 130 مليون برميل عبر «هرمز» خلال الأسبوعين الماضيين، بينما لم تنقل إيران أي كمية خلال الفترة نفسها، معتبراً أن الحصار البحري وحملة «الإقصاء الاقتصادي» سيضاعفان الضغط على الاقتصاد الإيراني.

لكن المؤشرات المستقلة تظهر أن التحسن في حركة الملاحة لا يعني عودتها إلى طبيعتها. وأظهرت بيانات أولية لشركة «كبلر» أن خمس سفن عبرت المضيق الخميس، مقابل 17 في اليوم السابق ومتوسط عشرة أيام يبلغ 15 سفينة، مع احتمال تغير الأرقام بسبب إغلاق بعض السفن أجهزة التعريف الآلي.

في المقابل، سجل مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني حركة أكبر، مقدراً متوسط العبور خلال الأيام السبعة الماضية بنحو 29 سفينة يومياً، إذ يستخدم إلى جانب بيانات التعريف الآلي معلومات عن تحركات السفن غير المرصودة.

عقوبات و«قطع شرايين»

وبالتوازي مع الحصار البحري، تكثف واشنطن الضغط المالي على إيران. وقالت وزارة الخزانة الأمريكية إنها حددت الشبكات والوسطاء والقنوات التي تستخدمها طهران لتهريب النفط والالتفاف على العقوبات.

وتعهدت باستهداف مصادر الإيرادات غير المشروعة و«قطع كل شريان اقتصادي متبق» لإيران. وأضافت أن حملة «الإقصاء الاقتصادي».

وسعت مخاطر العقوبات على الجهات التي تختار مواصلة التعامل التجاري مع إيران، متهمة طهران باستخدام شبكات الظل المصرفية لغسل الأموال وشراء الأسلحة وتمويل وكلائها في المنطقة.

وفي أحدث إجراء، فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة مرتبطة بإيران استهدفت فرداً وكياناً، بعد أيام من تلويح بيسنت باتخاذ مزيد من الإجراءات في ظل استمرار الحرب.

وذكر منشور على موقع وزارة الخزانة الأمريكية أن العقوبات تستهدف شخصاً له صلة ببنك «ملي» الإيراني وكياناً مقره هونغ كونغ.

وتستعد واشنطن لنقل الضغط إلى مجموعة العشرين، إذ قال مسؤول كبير في وزارة الخزانة إن الإدارة الأمريكية ستسعى خلال اجتماع وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية الأسبوع المقبل إلى حث الدول المشاركة على قطع شرايين الحياة الاقتصادية عن إيران.

طوابير الوقود تتفاقم

وفي الداخل الإيراني، ازدادت أزمة الوقود حدة، مع استمرار الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين في طهران حتى ساعات متأخرة من الليل، وتجاوزها كيلومتراً في بعض المواقع.

وقال مسؤول في شركة النفط الايرانية إن بعض المحطات اضطرت إلى تعليق عملياتها مؤقتاً بعدما نفد منها الوقود.

وسجلت مبيعات البنزين في طهران الاثنين أعلى مستوى منذ بداية العام، فيما أقر الرئيس مسعود بزشكيان خلال اجتماع لمجلس الوزراء بوجود مشكلات ناجمة عن الحرب.

ودعا المؤسسات الحكومية إلى ترشيد استخدام مركباتها، كما حث الإيرانيين على التعاون. وكانت أزمة الوقود والطوابير قد بدأت منذ أيام قبل أن تتفاقم مع مخاوف نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.

وفي مواجهة تراجع قدرتها على التحكم بحركة الملاحة، تتمسك طهران باستخدام «هرمز» ورقة ضغط، إذ وافقت على إعداد قائمة شروط مقابل إعادة حركة الملاحة إلى طبيعتها، بعدما ضغطت قطر عليها لاحترام حرية الملاحة في الممر الدولي.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعد مباحثات مع رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري في طهران، إن العودة إلى المسار الدبلوماسي «ليست مستحيلة»، مطالباً الولايات المتحدة ببناء الثقة والاعتراف بما وصفه بـ«حقوق إيران».

غير أن المسؤولين الأمريكيين يعتبرون أن التحول في ميزان القوة بالمضيق منح واشنطن موقعاً أقوى في أي مفاوضات مستقبلية.

وأن مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو، والتي تناولت «هرمز» جزئياً، لم تعد ذات صلة، كما يقللون من أهمية المفاوضات الإيرانية - العمانية بشأن ترتيبات جديدة للمضيق.

موسكو ترفض رسوم العبور

وبرز في هذا السياق موقف روسي من إحدى أدوات الضغط الإيرانية، إذ أعلن وزير الخارجية سيرغي لافروف أن موسكو لا تؤيد فرض رسوم على المرور عبر مضيق هرمز، وإن كانت ترى أن المسألة ستظل مطروحة للنقاش مستقبلاً.

وقال لافروف أيضاً إن طهران تربط إعادة فتح المضيق بتخفيف العقوبات الأمريكية أو رفعها، ما يعكس استمرار محاولة إيران مقايضة حرية الملاحة الدولية بتنازلات في ملف العقوبات.

70 هجوماً و19 قتيلاً

ورغم تراجع قدرة إيران على تعطيل حركة العبور وفق التقييم الأمريكي، تكشف بيانات المنظمة البحرية الدولية حجم الضرر الذي لحق بالملاحة منذ بداية الحرب.

وقالت المنظمة، أمس، إنها تحققت من 70 هجوماً على الملاحة الدولية منذ 28 فبراير، أسفرت عن مقتل 19 بحاراً.

وأكد الأمين العام للمنظمة أرسينيو دومينغيز أن آلاف البحارة لا يزالون يعيشون ويعملون في ظروف شديدة الخطورة وعدم اليقين، مشدداً على أن حق المرور عبر المضائق المستخدمة للملاحة الدولية يجب ألا يتعرض للتهديد أو العرقلة أو التعليق.