واشنطن تطلق عملية «المنبوذ الاقتصادي» ضد إيران

مقاتلات أمريكية على سطح حاملة الطائرات أبراهام لينكولن
مقاتلات أمريكية على سطح حاملة الطائرات أبراهام لينكولن

ترامب: إيران تنهار تماماً

أطلقت الولايات المتحدة، أمس، عملية «المنبوذ الاقتصادي» ضد إيران، في حملة تستهدف خنق النظام الإيراني وقطع الشرايين المالية والتجارية التي يعتمد عليها.

وبدأتها بعقوبات على أكثر من 60 شخصاً وكياناً وسفينة، وتوسيع العقوبات الثانوية إلى خمسة قطاعات حيوية، مع منح الدول مهلاً لإنهاء أنشطة محددة مع طهران أو مواجهة إجراءات أمريكية أحادية قد تصل إلى عزل مؤسساتها عن النظام المالي القائم على الدولار.

وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، خلال مؤتمر صحافي مساء أمس، إن العملية أطلقت بتوجيه من الرئيس دونالد ترامب، وإنها حملة غير مسبوقة تشارك فيها أجهزة الحكومة الأمريكية وتستهدف إيران والجهات التي تمكّنها وتدعمها.

وقال إن الإجراءات «ستخنق النظام الإيراني» وتستهدف الحرس الثوري، وإن الهدف هو قطع الشرايين الاقتصادية التي تدعم طهران ودفعها إلى العزلة.

خياران صعبان

ووضع بيسنت إيران أمام خيارين، هما «العزلة العالمية الكاملة واقتصاد الكفاف»، أو تغيير مسارها والحصول على فرصة للعودة إلى الاقتصاد العالمي، وقال إن العملية تستهدف «إغلاق جميع الخيارات الأخرى» أمام طهران.

وأعلن بيسنت فرض عقوبات، على أكثر من 60 شخصاً وكياناً وسفينة حول العالم تتهمها واشنطن بمساعدة إيران في أنشطة مرتبطة بالطاقة النووية والصواريخ والنفط والعمليات الإلكترونية، إلى جانب تعليق تراخيص عامة كانت تسمح ببعض التحويلات المالية إلى إيران.

وحدد وزير الخزانة خمسة شرايين حيوية قال إن إيران تستخدمها في دول أخرى، هي الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن البحري، مؤكداً أن السلطات الأمريكية حددت «كل نقطة اتصال وكل طرف مسهل وكل شبكة» استخدمتها طهران لتهريب النفط والالتفاف على العقوبات.

وقال بيسنت إن الرئيس ترامب يجري اتصالات مع زعماء دول لقطع العلاقات الاقتصادية مع إيران، وإن فرقاً من وزارات الخزانة والخارجية والدفاع الأمريكية تجري اتصالات مع نظيراتها حول العالم لإبلاغها بالإجراءات المطلوبة.

وأضاف أن واشنطن حددت جدولاً زمنياً لكل دولة لإنهاء أنشطة معينة، بينها إغلاق فروع البنوك الإيرانية في الخارج، محذراً من أن الولايات المتحدة ستتحرك بصورة أحادية باستخدام سلطاتها إذا لم تتخذ الدول الإجراءات المطلوبة.

وهدد بيسنت باستبعاد أي جهة تسهل غسل الأموال أو تحويل عائدات النفط الإيراني من النظام المالي القائم على الدولار، مؤكداً أن «لا أحد بمنأى عن العقوبات الأمريكية»، وقال: «من يقفون معنا سيجنون ثمار شراكتنا، ومن يربطون مصيرهم بالنظام الإيراني عليهم توقع العزلة معه».

عقوبات ثانوية

ولم يستبعد بيسنت، رداً على سؤال خلال المؤتمر الصحفي، فرض عقوبات ثانوية على مصارف صينية إذا استمرت في تسهيل المعاملات الإيرانية، وقال إن أي مصرف أو مؤسسة مالية تساعد في تحويل عائدات النفط الإيراني إلى أموال ستكون عرضة للعقوبات.

وأضاف أن واشنطن تعرف الجهات التي تدعم المنظومة المالية المرتبطة بالنفط الإيراني، وأن تلك الجهات تعرف بدورها أنها مستهدفة، محذراً إياها من «مطرقة» إجراءات وزارة الخزانة.

وكشف وزير الخزانة أن واشنطن ستفرض عقوبات على مؤسسة مالية كبرى قبل نهاية الأسبوع بسبب تعاملات مرتبطة بإيران، في إشارة إلى استمرار الحملة بعد إجراءات الاثنين.

وقال إن قوة الاقتصاد الأمريكي تتيح لواشنطن شن هذه العملية المالية بالتوازي مع قوتها العسكرية، وشبّه الهجوم الاقتصادي من حيث التعبئة بإنزال النورماندي خلال الحرب العالمية الثانية.

وفيما كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته «تروث سوشال»، قبل المؤتمر الصحفي بساعات أن «إيران تنهار تماماً»، ربط بيسنت خلال المؤتمر بين الحملة وتدهور العملة الإيرانية، قائلاً إن الريال «ينهار» وإن سعر صرفه تجاوز مليوني ريال مقابل الدولار، ومتوقعاً أن يتجه إلى ثلاثة ملايين ريال للدولار.

وكانت «أسوشيتد برس» قد أفادت، أمس، بأن الريال سجل أدنى مستوى في تاريخه عند 2.02 مليون ريال للدولار في السوق غير الرسمية، مقارنة بنحو 1.5 مليون ريال وفق السعر الرسمي للبنك المركزي.

ضغوط معيشية

وجاء انهيار العملة بينما قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أمس، إن إيران تعاني «اختلالات كبيرة» في المياه والكهرباء والغاز والوقود والبيئة والقطاع المصرفي، وإنها تواجه «حرباً اقتصادية وعسكرية وأمنية شاملة».

كما كشف محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، أمس، وفق وكالة «تسنيم» الإيرانية، أن السلطات كانت تتوقع «ظروفاً صعبة»، ولذلك بدأت منذ يناير الماضي تخزين العملات الأجنبية في أماكن متعددة. وقال إن الخطوة هدفت إلى ضمان توفير العملات اللازمة لاستيراد السلع الأساسية والأدوية.

وتظهر بيانات رسمية إيرانية اتساع الضغوط المعيشية، إذ أظهرت بيانات مركز الإحصاء الإيراني التي أوردتها «رويترز» في 17 أغسطس أن التضخم السنوي بلغ 66 % في يوليو، وارتفعت أسعار المستهلكين 87.9 % على أساس سنوي.

فيما وصل ارتفاع أسعار الغذاء إلى 128 %. ونقلت «رويترز» في التقرير نفسه عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين قولهم إن السلطات تخشى أن تؤدي عقوبات أمريكية إضافية إلى زيادة المصاعب الاقتصادية وإشعال اضطرابات جديدة.

وتتجاوز مخاوف السلطات الإيرانية التداعيات الاقتصادية المباشرة إلى احتمال عودة الاحتجاجات، إذ نقلت «رويترز» في 17 أغسطس عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين قولهم إن طهران تخشى أن تؤدي العقوبات الأمريكية الجديدة إلى زيادة المصاعب المعيشية وتأجيج اضطرابات واسعة، بما يفرض مزيداً من الضغوط على النظام.

ونقلت الوكالة عن موظف حكومي في مدينة يزد قوله إن راتبه بات ينفد خلال أيام وإن اللحوم والدجاج اختفيا من مائدة أسرته، فيما تحدث أصحاب أعمال عن تسريح موظفين وإغلاق مشروعات بسبب توقف التجارة وارتفاع التكاليف.

وبالتزامن مع هذه المخاوف، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز» في تقرير نشرته في أغسطس بأن السلطات الإيرانية بدأت حملة لإغلاق عشرات المقاهي في طهران ومدن أخرى، وسط تشديد الرقابة على الأماكن التي يتجمع فيها الشباب.

ونقلت الصحيفة عن فنانة في طهران قولها إن السلطات تتعامل مع تجمعات الشبان والشابات أمام المقاهي باعتبارها تجمعات احتجاجية محتملة، فيما وصف صاحب مقهى الإجراءات بأنها بداية «حملة للسيطرة على إيران ما بعد الحرب» في ظل مجتمع يعاني الضغوط وعدم الرضا.

وامتد الضغط إلى النفط، أحد أهم مصادر العملة الأجنبية لطهران. وأظهرت بيانات شركة «كبلر» التي أوردتها «رويترز»، أمس، أن شحنات النفط الإيراني إلى الصين تراجعت إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس، مقابل 823 ألفاً في يوليو، بعدما بلغت 1.58 مليون برميل يومياً في وقت سابق من العام.

وفي مواجهة اشتداد الضغوط الاقتصادية، واصلت طهران ابتزازها الملاحة الدولية والمنطقة ضمن محاولات تصدير أزمتها عبر الضغط على إمدادات الطاقة والتجارة العالمية، في محاولة منها افتعال أزمة طاقة، إذ قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، الأحد.

إنه إذا استمرت «الحرب الاقتصادية» فلن تُصدّر «قطرة واحدة من النفط» عبر هرمز أو من أي مكان في المنطقة. وأمس الاثنين وضعت طهران 45 ناقلة على قائمة سوداء، وهددت بالغرامات والاحتجاز ومصادرة الشحنات.

وأظهرت بيانات شركة «كبلر» التي نشرتها «رويترز»، أمس، أن أربع سفن فقط عبرت مضيق هرمز الأحد، مقابل 13 سفينة السبت و16 الجمعة، فيما قالت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن حركة العبور التي رصدتها خلال الأسبوع المنتهي في 21 أغسطس ظلت أقل بنحو 90 % عن مستويات ما قبل الحرب، وإنها سجلت منذ 6 يوليو 23 واقعة إصابة سفن بقذائف في المضيق ومحيطه.

وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أمس، من التداعيات العالمية لاضطراب الملاحة في هرمز والبحر الأحمر، وقال في كلمة أمام الأمم المتحدة بشأن حرية الملاحة إن تعطل الممرات يعرقل حركة الطاقة والأسمدة والسلع الأساسية.

وإن حركة العبور في هرمز تكاد تتوقف، بينما ظلت أسعار النفط أعلى بنحو 33 % منذ بدء النزاع وارتفعت أسعار شحن الحاويات عالمياً 84 % مقارنة بالعام الماضي.

مسار دبلوماسي

وعلى المسار الدبلوماسي، وصل قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران، أمس، ضمن جهود إسلام آباد للوساطة. ونقلت «رويترز» في اليوم نفسه عن ثلاثة مصادر باكستانية أن ترامب أجرى اتصالاً هاتفياً مع منير الأسبوع الماضي، وقال أحد المصادر إن الطلب الأمريكي الرئيسي تمثل في استخدام إسلام آباد نفوذها للمساعدة في إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات.

كما أعلنت الخارجية الإيرانية، أمس، أن وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي سيزور طهران اليوم لاستكمال المشاورات بشأن مضيق هرمز، فيما أكدت الصين والأردن، في بيان مشترك صدر الاثنين عقب لقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في بكين، ضرورة استئناف الملاحة الطبيعية عبر المضيق والعودة إلى الحوار والمفاوضات.

وزير الخزانة الأمريكي:

العقوبات تطال الذهب وقطاعات التكنولوجيا والطيران والشحن البحري

بزشكيان يقر باختلالات كبيرة والريال عند قاع تاريخي و«المركزي» خزّن العملات