خلافات في إيران بشأن الهدف من التصعيد العسكري مع واشنطن
تكثفت الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء أزمة مضيق هرمز، أمس، بعدما أعرب مسؤولون أمريكيون عن أملهم في التوصل إلى اتفاق مع إيران خلال اليوم الأربعاء، في حين أكدت قطر أن الوساطة بلغت مراحل متقدمة، لكنها شددت على عدم التوصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن، بينما تتزايد الخلافات داخل دوائر القيادة في إيران بشأن الهدف النهائي من التصعيد ضد الولايات المتحدة، بين تيار يدعو إلى مواصلة القتال حتى تحقيق ما يصفونه بـ«النصر الكامل»، وتيار آخر يرى أن التصعيد العسكري يجب أن يكون وسيلة لانتزاع اتفاق تفاوضي مع واشنطن.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، في مقابلة مع شبكة «CNBC» أمس، إن الولايات المتحدة تجري محادثات مع الإيرانيين، وإن هناك فرصة للتوصل إلى اتفاق خلال ساعات يعيد فتح مضيق هرمز ويدفع نحو وضع أكثر استقراراً في الصراع.
وأضاف بيسنت أن الاتفاق، إذا أُنجز، سيضمن حرية الملاحة في المضيق، نافياً أن يتضمن منح إيران حق فرض رسوم على السفن العابرة، ومعرباً عن اعتقاده بأن إعادة فتح الممر ستسهم في استقرار أسواق الطاقة.
وفي وقت لاحق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، في تصريحات للصحفيين بمقر وزارة الخارجية نقلتها «رويترز»، إن المحادثات مع إيران وسلطنة عُمان أحرزت تقدماً، لكنه أكد أن الأطراف لم تتوصل بعد إلى اتفاق نهائي.
وأضاف روبيو: «شهدت هذه المحادثات إحراز تقدم، لكن لم يتسنَ التوصل إلى اتفاق نهائي بعد، ونأمل أن يحدث ذلك قريباً جداً».
وجاءت هذه التصريحات بعد يوم من إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أول من أمس، أن محادثات تجري الآن مع إيران، وقال إنها جاءت بناءً على طلب إيران، واصفاً إياها بأنها «الفرصة الأخيرة» أمام طهران للتوصل إلى اتفاق.
وكان ترامب أعلن السبت، عبر منصته «تروث سوشال»، العدول عن تنفيذ ضربة عسكرية واسعة ضد إيران، قائلاً إنه فضّل منح المسار الدبلوماسي فرصة جديدة، مشترطاً التوصل سريعاً إلى اتفاق يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة ووضع حد للتهديدات الإيرانية للملاحة.
مراحل متقدمة
في الأثناء، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، خلال مؤتمره الصحفي الأسبوعي في الدوحة، أمس، إن جهود الوساطة التي تقودها قطر بالتنسيق مع باكستان وسلطنة عُمان لا تزال مستمرة، لكنها لم تصل بعد إلى اتفاق.
وأوضح الأنصاري أن التركيز ينصب حالياً على خفض التصعيد، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإحياء المسار الدبلوماسي، مؤكداً أن الوسطاء يواصلون تبادل مسودات المقترحات بين الطرفين.
وأضاف أن الاتصالات بلغت «مراحل متقدمة للغاية»، لكنه شدد على أن «لا اتفاق حتى الآن»، وأن الأولوية تتمثل في إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات قبل الانتقال إلى اتفاق أشمل.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية قال أيضاً إن المحادثات ركزت على تحديد ممرات آمنة للدخول والخروج في مضيق هرمز، مضيفاً أن المسار الذي يجري التفاوض عليه يهدف إلى ضمان الحقوق السيادية واعتبارات الأمن الوطني لإيران وعُمان.
محادثات إيجابية
وأفادت وسائل إعلام رسمية إيرانية، أمس، نقلاً عن المتحدث باسم وزارة الخارجية، بأن المحادثات مع سلطنة عُمان بشأن العبور من مضيق هرمز لا تزال مستمرة، مشيرة إلى أن طهران قيّمتها بأنها «إيجابية» على المستويين الفني والسياسي.
كما ذكر تقرير لـ«بلومبرغ» أن إيران تدرس السماح لدول أوروبية بالمشاركة في إزالة الألغام من مضيق هرمز، في خطوة قد تمثل تراجعاً عن موقفها السابق ويمكن أن تشكل جزءاً من اتفاق يهدف إلى إعادة حركة الملاحة في الممر المائي الحيوي إلى الوضع الطبيعي وتسهيل مفاوضات السلام مع الولايات المتحدة.
وقالت مصادر مطلعة على المحادثات لـ«بلومبرغ»، إن أي مهمة أوروبية لإزالة الألغام ستتوقف على تقديم إيران ضمانات أمنية للسفن العسكرية المشاركة، وعلى صمود وقف إطلاق النار.
وكانت «رويترز» نقلت في وقت سابق أمس، عن مصدر إيراني كبير مشارك في المشاورات، أن طهران تتمسك بدور مباشر في إدارة حركة السفن.
وقال المصدر إن الخطة التي يجري بحثها مع سلطنة عُمان تقضي بأن تحتفظ إيران بالسيطرة على مسار دخول السفن إلى المضيق، بينما تخضع حركة السفن المغادرة لإشراف عماني بعد إخطار الجانب الإيراني، مع احتفاظ طهران بحق التدخل عند الضرورة.
ويمثل هذا الطرح تراجعاً عن مطالب إيرانية سابقة بالسيطرة الكاملة على حركة الملاحة في الاتجاهين، لكنه يبقي الخلاف قائماً مع الولايات المتحدة التي تصر على أن أي اتفاق يجب أن يضمن حرية العبور من دون خضوع السفن لإجراءات أو تصاريح إيرانية.
إصابة سفينة شحن
وعلى الرغم من هذا الحراك الدبلوماسي، بقي الوضع الأمني في مضيق هرمز هشاً، إذ أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، ليل الاثنين - الثلاثاء، تلقي بلاغ عن تعرض سفينة شحن لإصابة بمقذوف مجهول على بعد نحو 20 ميلاً بحرياً شمال شرقي مدينة خصب العُمانية.
وأعاد الهجوم التأكيد على أن المخاطر الأمنية في المضيق لا تزال قائمة، رغم تصاعد الحديث عن قرب التوصل إلى تفاهم سياسي، في وقت ظلت فيه حركة الملاحة عند مستويات منخفضة مقارنة بالأوضاع الطبيعية، مع استمرار تردد شركات الشحن في إعادة سفنها إلى الممر.
وفي موازاة التحركات الدبلوماسية، كشفت «رويترز»، نقلاً عن ثلاثة مصادر مطلعة، أن الجيش الأمريكي استهلك خلال الحرب مع إيران معظم مخزونه المتاح من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى التابعة له.
وقالت الوكالة إن الجيش استخدم تقريباً جميع صواريخ «أتاكمز» وصواريخ الضربة الدقيقة (PrSM)، إضافة إلى ما يقل قليلاً عن نصف المخزون العالمي من صواريخ «توماهوك»، بحسب أحد المصادر، وهو رقم قالت «رويترز» إنها لم تتمكن من التحقق منه بصورة مستقلة.
ورداً على التقرير، قال البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تمتلك «ذخائر أكثر بكثير مما تحتاج إليه»، وإن شركات الصناعات الدفاعية توسع إنتاجها لإعادة بناء المخزونات، فيما أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية أن الجيش يمتلك جميع القدرات اللازمة لتنفيذ أي عمليات يقررها الرئيس.
خلافات إيرانية
وفي طهران، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤولين ومراقبين أن الخلافات داخل دوائر الحكم لم تعد تقتصر على إدارة الحرب، بل امتدت إلى الهدف النهائي من التصعيد مع الولايات المتحدة.
وقالت الوكالة إن تياراً متشدداً يرفض أي مفاوضات مع واشنطن ويدعو إلى مواصلة المواجهة، في حين يرى تيار آخر أن الضغط العسكري ينبغي أن يستخدم وسيلة لتحسين شروط التفاوض وانتزاع اتفاق أفضل.
وأشارت الوكالة إلى أنه في الوقت الذي تحرص فيه القيادة الإيرانية على إظهار «جبهة موحدة»، في مواجهة الولايات المتحدة، وعزماً على مواصلة التصعيد العسكري، إلا أن الخلافات تبرز خلف هذا التماسك.
ويقود المعسكر الأول المتشددون الرافضون لأي مفاوضات مع الولايات المتحدة، ممن يدفعون باتجاه تحقيق «انتصار كامل».
ويُعرف هذا التيار باسم حركة «بايداري» (الثبات)، ويضم شخصيات أيديولوجية متشددة تسعى إلى تعزيز قبضة النظام على المجتمع، وفق «أسوشيتد برس».
وفي الوقت نفسه، نقلت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية عن الرئيس مسعود بزشكيان قوله، أمس، إن إيران «تدافع عن حدودها لكنها لا تسعى إلى توسيع نطاق الحرب»، في موقف يعكس استمرار الرسائل المزدوجة الصادرة من طهران بين التهدئة السياسية ومواصلة الضغوط العسكرية.