مع كل تصعيد عسكري بين أمريكا وإيران تبرز دائماً تحركات دبلوماسية غير مباشرة عبر الوسطاء للعودة إلى محادثات بناءة، وترد دائماً واشنطن أن باب التفاوض لا يزال مفتوحاً.ومع تجدد الضربات المتبادلة في محيط مضيق هرمز واستهداف سفن تجارية وممرات ملاحة حيوية، دخلت التفاهمات التي راهن عليها الوسطاء الإقليميون والدوليون مرحلة اختبار شديدة الحساسية، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى جولة جديدة من المواجهة المفتوحة.
وأكد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة لا تزال منفتحة على حل دبلوماسي، مشيراً إلى أن إيران ترسل إشارات برغبتها في التفاوض. واعتبر أن الضربات الأمريكية جاءت رداً على الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد السفن في مضيق هرمز.
التصعيد
ولم يكد يمر شهر على توقيع «مذكرة تفاهم إسلام آباد» بين الولايات المتحدة وإيران في منتصف يونيو 2026 برعاية باكستانية، والتي استهدفت احتواء المواجهة العسكرية وفرض وقف لإطلاق النار لمدة 60 يوماً تمهيداً لمفاوضات أوسع، حتى عادت لغة التصعيد العسكري لتفرض نفسها على المشهد مجدداً.
وكانت المذكرة قد تضمنت تفاهمات مؤقتة شملت ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز وتخفيف بعض القيود الاقتصادية على طهران مقابل تجميد أنشطتها النووية عند مستويات محددة خلال فترة التفاوض، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت خلط الأوراق وطرحت تساؤلات جدية حول مستقبل هذا المسار.
مفترق طرق
ويرى مراقبون أن المشهد الحالي يضع الطرفين أمام مفترق طرق حقيقي؛ فإما أن يقود التصعيد المتبادل إلى انهيار التفاهمات والدخول في مرحلة استنزاف طويلة، أو أن يتحول إلى أداة ضغط لتحسين شروط التفاوض وصياغة اتفاق أكثر شمولاً.
وتنقسم التقديرات بين من يرى أن المذكرة تواجه خطر الانهيار نتيجة فجوة الثقة وتشابك الملفات الخلافية، خصوصاً مع توسع الضربات الأمريكية ضد أهداف داخل إيران واستمرار طهران في التلويح بأوراق ضغط مرتبطة بأمن الطاقة والملاحة، وبين من يعتبر أن ما يجري يمثل امتداداً للمسار التفاوضي بوسائل عسكرية، وليس إعلاناً لنهايته.
ويستند أصحاب الرأي الثاني إلى استمرار الوساطات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الجهود الباكستانية، فضلاً عن الرسائل المتبادلة التي تشير إلى أن الهدف النهائي لا يزال يتمثل في التوصل إلى تفاهم أوسع يتناول البرنامج النووي والصواريخ الباليستية وترتيبات الأمن الإقليمي.
كلفة باهظة
بدوره، يرى خبير الشؤون الإيرانية الدكتور علاء السعيد، أن المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، إلا أن الحديث عن حرب شاملة لا يزال سابقاً لأوانه، في ظل إدراك الطرفين أن كلفة المواجهة المفتوحة ستكون باهظة على المنطقة والاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة.
ويقول السعيد لـ«البيان» إن واشنطن وطهران تستخدمان حالياً أقصى أدوات الضغط والردع دون الانزلاق إلى صدام خارج نطاق السيطرة، مشيراً إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار «التصعيد المحسوب».ويوضح أن هذا المسار قد يشمل فرض عقوبات أمريكية إضافية، وتعزيز الوجود العسكري في الخليج، وزيادة الضغوط الميدانية عبر الضربات الجوية والصاروخية، في مقابل تحركات إيرانية عبر حلفائها الإقليميين أو من خلال رفع مستوى التوتر في مضيق هرمز، مع استمرار تبادل الرسائل العسكرية دون الوصول إلى مواجهة واسعة.
ويضيف أن السيناريو الثاني يتمثل في انفجار عسكري محدود نتيجة خطأ في الحسابات أو استهداف مصالح حساسة لأحد الطرفين، بما يؤدي إلى جولة قصيرة لكنها عنيفة من المواجهات، مرجحاً في هذه الحالة تدخلاً إقليمياً ودولياً سريعاً لاحتواء التصعيد ومنع تحوله إلى حرب شاملة.ولا يستبعد السعيد عودة الأطراف إلى طاولة التفاوض عبر قنوات مباشرة أو غير معلنة، موضحاً أن السياسة الأمريكية تقوم على الجمع بين الضغوط والتفاوض، فيما اعتادت إيران استخدام التصعيد لتحسين شروطها قبل أي اتفاق جديد.
«شد الحبل»
ويخلص إلى أن المنطقة تتجه نحو مرحلة من «شد الحبل» السياسي والعسكري، يحاول خلالها كل طرف تعزيز موقعه التفاوضي، مؤكداً أن التصعيد قد يترافق مع فرص حقيقية لفتح جولة جديدة من المباحثات إذا اقتنع الطرفان بأن كلفة المواجهة أصبحت أكبر من مكاسبها.
من جانبه، يرى خبير العلاقات الدولية الدكتور طارق البرديسي، أن المشهد الحالي لا يتجه نحو «الانفجار الكبير» أو حرب شاملة، بقدر ما يعكس تصعيداً محسوباً ومدروساً يخدم في النهاية مسار التفاوض حول اتفاق جديد.ويقول البرديسي لـ«البيان» إن الضربات المتبادلة والرسائل العسكرية لا تمثل تصعيداً عشوائياً، بل تأتي ضمن استراتيجية ضغط متبادل يسعى من خلالها كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي قبل الدخول في ترتيبات سياسية وأمنية جديدة.
ويوضح أن واشنطن تستخدم الضغوط العسكرية والاقتصادية للتفاوض من موقع القوة وفرض اتفاق أكثر شمولاً يتناول مختلف الملفات العالقة، فيما تسعى طهران إلى الدخول في أي مفاوضات مقبلة من موقع الصمود وعدم الظهور بمظهر الطرف الخاضع أو المستسلم.
ويشير إلى أن التصعيد الحالي يتخذ أشكالاً متعددة من خلال الضربات والردود المحسوبة، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الانفلات الكامل أو المواجهة المفتوحة، لأن مثل هذا السيناريو لا يخدم مصالح أي من الأطراف، فضلاً عن تداعياته الخطيرة على أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي.
ويؤكد البرديسي أن الطرفين ما زالا حريصين على إبقاء المواجهة ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، معتبراً أن الصواريخ والضربات العسكرية أصبحت جزءاً من أدوات التفاوض نفسها، وأن الطريق إلى أي اتفاق جديد يمر عبر الضغوط المتبادلة وفرض الوقائع على الأرض أكثر من مروره عبر التهدئة التقليدية.
ويختتم بالقول إن ما يجري حالياً يمثل مرحلة تمهيدية لمفاوضات أكثر منه مقدمة لحرب شاملة، مرجحاً استمرار سياسة «التصعيد المنضبط» إلى حين نضوج الظروف السياسية للتوصل إلى تفاهمات جديدة بين واشنطن وطهران.