أثار تقرير للقناة 12 الإسرائيلية، يفيد برفض الولايات المتحدة طلباً إسرائيلياً للاطلاع على مذكرة التفاهم الآخذة بالتبلور مع إيران، موجة من التساؤلات داخل الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية.
فالحدث لا يتعلق بمجرد خلاف حول وثيقة تفاوضية، بل يمس أساس العلاقة الخاصة والاستثنائية التي ربطت الجانبين منذ عقود، والتي منحت إسرائيل عادة موقع الشريك المطلع على أدق تفاصيل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وخصوصاً ما يتعلق بالملف الإيراني.
وكتب عميحاي شتاين، المراسل الدبلوماسي لقناة «i24 News»، عبر منصة «إكس» أمس: «إسرائيل طلبت الاطلاع على مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، وقوبل الطلب بالرفض».
وفي وقت سابق أمس، كشف تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن مخاوف في إسرائيل من اتفاق واشنطن مع طهران. وأوضحت الصحيفة نقلاً عن مصدر مطلع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو يسعى جاهداً لعقد اجتماع عاجل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لتسوية ما وصفه بـ«الأمور المتضاربة» في الاتفاق.
مؤشر سياسي
منذ عام 1979، شكل الملف الإيراني أحد أهم مجالات التنسيق الاستراتيجي بين واشنطن وتل أبيب. ورغم وجود خلافات متكررة حول أساليب التعامل مع طهران.
فإن إسرائيل كانت تحظى عادة بإمكانية الوصول إلى المعلومات الأساسية المتعلقة بالمفاوضات والاتصالات الأمريكية مع الإيرانيين، لذلك تنظر الأوساط الإسرائيلية إلى رفض تسليمها تفاصيل مذكرة التفاهم الحالية باعتباره مؤشراً سياسياً يتجاوز مضمون الوثيقة نفسها.
حساسية القضية تنبع من اختلاف جوهري في رؤية الطرفين للمسألة الإيرانية، فإسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول لأمنها القومي، وترى أن أي اتفاق لا يؤدي إلى تفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية وتقليص قدراتها الصاروخية وشبكة حلفائها الإقليميين يمثل خطراً مؤجلاً لا أكثر.
أما الولايات المتحدة فتتعامل مع الملف من منظور أوسع يشمل استقرار المنطقة وأمن الممرات البحرية وأسواق الطاقة العالمية ومنع الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة قد تستنزف واشنطن وحلفاءها.
دلالة مختلفة
وليس هذا أول خلاف بين الجانبين حول إيران، فقد بلغ التوتر ذروته خلال مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015 عندما قاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو حملة علنية ضد إدارة الرئيس باراك أوباما، ووصل الأمر إلى إلقائه خطاباً مثيراً للجدل أمام الكونغرس الأمريكي من دون تنسيق مسبق مع البيت الأبيض.
لكن التطور الحالي يحمل دلالة مختلفة. ففي عام 2015 كانت إسرائيل تعارض اتفاقاً تعرف تفاصيله وتسعى لإفشاله، أما اليوم فهي تشكو من عدم الاطلاع على التفاصيل أصلاً.
وهذا الفارق يفسره مراقبون على أنه تعبير عن رغبة أمريكية في الحد من قدرة تل أبيب على التأثير المباشر في مسار المفاوضات أو تسريب المعلومات أو ممارسة ضغوط سياسية مبكرة لتعطيلها.
ويأتي ذلك في وقت تشهد العلاقات بين البلدين سلسلة من التباينات المتراكمة، آخرها ما يتعلق بالملف اللبناني.
ومهما كانت طبيعة مذكرة التفاهم التي يجري إعدادها، فإن الطريقة التي أُدير بها الملف قد تكون أكثر أهمية من بنودها الفعلية. فرفض واشنطن إطلاع إسرائيل على الوثيقة يوحي بأن العلاقة تمر بمرحلة إعادة تعريف غير معلنة، تنتقل فيها إسرائيل تدريجياً من موقع الشريك المشارك في رسم السياسة الأمريكية تجاه إيران إلى موقع الحليف الذي يتم إبلاغه بالنتائج بعد اتخاذ القرار.