تتكشف خيوط جديدة تربط جماعة «الإخوان» بدور محوري في جيش البرهان في إنتاج الفوضى بما ساهم في إطالة أمد الحرب وتعميق معاناة المدنيين. في تطور يعكس تعقيدات المشهد السوداني وتشابكاته الإقليمية، أعادت واقعة إحباط أجهزة الأمن الإماراتية محاولة تهريب أسلحة وذخائر إلى السودان تسليط الضوء على طبيعة الصراع الدائر منذ أكثر من ثلاث سنوات، والذي لم يعد مجرد مواجهة داخلية بين فصيلين متناحرين، بل تحول إلى حرب ممتدة تغذيها شبكات منظمة بين «الإخوان» وجيش البرهان تسعى لإدامتها وتعميق تداعياتها.
العملية الأمنية النوعية شكلت خطوة استباقية عكست يقظة إماراتية ضد مخططات «إخوان الشيطان» في السودان في مواجهة مسارات خفية لإمداد الصراع، وأكدت في الوقت ذاته أن المعركة في السودان لم تعد محصورة في الميدان، بل تمتد إلى مسارات التمويل والتسليح العابرة للحدود.منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخل السودان في مرحلة غير مسبوقة من الانهيار المركب، حيث تراجعت مؤسسات الدولة، وتفاقمت الأوضاع الإنسانية، واتسعت رقعة النزوح والدمار، في ظل غياب أفق سياسي واضح للحل. ومع مرور الوقت، تحولت المواجهات إلى حرب استنزاف طويلة.اختراق مؤسسات الدولة
إطالة الحرب
وفي هذا السياق، تشير قراءات تحليلية لخبراء ومراقبين إلى أن جماعة" الإخوان" ، لعبت دوراً مؤثراً في إعادة تشكيل مسار الحرب، عبر الدفع نحو إطالتها بدلاً من احتوائها.
وتستند هذه الرؤية إلى ما يوصف بمحاولات ممنهجة لاختراق مؤسسات الدولة، وإعادة بناء شبكات نفوذ موازية، مستفيدة من حالة الفوضى التي أفرزها الصراع.ويرى محللون أن هذه الجماعات الدموية تتعامل مع الحرب بوصفها فرصة لإعادة التموضع السياسي، عبر إدامة حالة عدم الاستقرار، بما يتيح لها استعادة حضورها في المشهد العام.
وتكشف تقديرات أن الحرب في السودان لم تعد مجرد صراع عسكري، بل تحولت إلى ما يشبه «اقتصاد حرب» متكاملاً، تديره شبكات معقدة من التمويل غير المشروع وتهريب السلاح.وتبرز محاولات تمرير الأسلحة والذخائر عبر قنوات غير قانونية، كأحد أبرز عوامل إطالة أمد النزاع، إذ تسهم هذه العمليات في تعزيز قدرات أطراف الصراع، وتزيد من وتيرة العنف، وهو ما ينعكس مباشرة على المدنيين الذين يدفعون الكلفة الأكبر.
نفوذ
في قراءة تحليلية للمشهد السوداني، يرى المحلل السياسي الكويتي مؤيد التركيت، أن ما يجري في السودان يتجاوز كونه صراعاً عسكرياً تقليدياً، ليعكس محاولات منظمة من جماعة «الإخوان» لإعادة إنتاج نفوذها عبر إطالة أمد الحرب.ويوضح أن التنظيم يعتمد ما يشبه استراتيجية «الأرض المحروقة»، مدفوعاً بإدراكه أن أي استقرار أو انتقال نحو حكم مدني ديمقراطي يعني خروجه النهائي من المشهد، الأمر الذي يدفعه إلى تغذية التوترات والتصعيد دون اكتراث بالكلفة الإنسانية أو حجم الخسائر بين المدنيين.
التحريض
ويشير التركيت إلى أن ممارسات الجماعة، من التحريض الإعلامي إلى تعطيل المبادرات السياسية والسعي لدعم خارجي، تعكس توظيفاً ممنهجاً للأزمة وتغذية مستمرة لمسبباتها.ويخلص إلى أن التنسيق العربي الحازم يظل المسار الأهم لدعم استقرار السودان، ومنع انزلاقه إلى مزيد من الفوضى.قطع شبكات التمويل ويؤكد خبراء أن العملية التي نفذتها الأجهزة الأمنية الإماراتية تؤكد أن التصدي لشبكات التسليح غير المشروع يمثل أحد المفاتيح الأساسية للحد من تفاقم الأزمة السودانية، ولا سيما في ظل اعتماد بعض الأطراف على الدعم غير المباشر لتعزيز مواقعها.
ويرى محللون أن هذه العملية تحمل أبعاداً استراتيجية، تتجاوز بعدها الأمني المباشر، إذ تعكس إدراكاً لطبيعة التهديدات المرتبطة بالصراعات الممتدة، والتي تتغذى على تدفقات السلاح والمال، كما تبرز أهمية الدور الإقليمي في دعم الاستقرار ومنع انزلاق الأزمات إلى مستويات أكثر خطورة.ومع دخول الحرب عامها الرابع، تتزايد القناعة لدى الأوساط التحليلية بأن أي مسار سياسي جاد لن يكتب له النجاح دون معالجة جذور الأزمة المرتبطة بشبكات التمويل والتسليح، إلى جانب فك الارتباط بين «الإخوان» وجيش البرهان.
تغلغل داخل النظام
إلى ذلك، يرى الباحث السياسي أحمد المصري، أن التحالف القائم بين قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان وما يُعرف بعناصر تنظيم الإخوان يُعد، من وجهة نظره، أحد أبرز أسباب تعقيد المشهد السوداني ودفع البلاد نحو حالة واسعة من الدمار والتشرد.ويعتبر المصري أن ما حدث من تغلغل لهذه العناصر داخل بعض مفاصل المؤسسة العسكرية لم يكن بدافع حماية الدولة، بل جاء في إطار ترتيبات مصلحية هدفت إلى إعادة تموضع نفوذها السياسي، وهو ما انعكس ـ بحسب رأيه ـ على شكل أزمة إنسانية واسعة طالت ملايين السودانيين بين قتيل وجريح ونازح.
كما يشير إلى أن هذا التحالف أسهم في تقويض مسار التحول المدني في البلاد، من خلال تراجع دور القوى المدنية، وازدياد تأثير التيارات ذات الطابع الأيديولوجي داخل مؤسسات القرار، الأمر الذي ساهم في تعميق الانقسام الداخلي وتدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية.
ويخلص المصري إلى أن أي تسوية سياسية للأزمة السودانية لن تكون ممكنة دون إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقوى ذات النفوذ السياسي، بما يضمن، وفق رؤيته، استعادة مسار الدولة المدنية وبناء مؤسسات قادرة على تحقيق الاستقرار وحماية المجتمع من دوائر الصراع المتجدد.
