يعيش الشارع الإيراني في هذه المرحلة، واحدة من أصعب الحلقات في سلسلة الأزمات الاقتصادية التي تضرب البلاد، حيث لم تعد معاناة المواطن الإيراني العادي في ظل الحصار، تقتصر على محاولة التكيف مع غلاء الأسعار، بل انتقلت إلى مرحلة «الكفاح من أجل البقاء» تحت وطأة تضخم جامح تجاوز أية حدود ومعايير، وتجلت على شكل مشهد معيشي قاتم.
المشهدية الراهنة تشير إلى أن الداخل الإيراني يواجه مخاضاً اقتصادياً هو الأقسى منذ عقود، حيث تلاقت مطرقة العقوبات الدولية المزمنة مع سندان سوء الإدارة الهيكلية، لتنتج مشهداً معيشياً يصفه مراقبون بالخانق.
التقارير الميدانية الأخيرة، ومنها ما رصدته شبكة «سي إن إن» الأمريكية في العاصمة طهران ومدن أخرى، ترسم صورة قاتمة لمجتمع يرزح تحت ضغوط مزدوجة؛ تبدأ من العقوبات الدولية الخانقة التي جففت منابع العملة الصعبة، ولا تنتهي عند سوء الإدارة الداخلية الذي عمق الهوّة بين السياسات الرسمية والواقع المعيشي المنهار.
ويرى محللون أن تداعيات التصعيد العسكري الأخير في المنطقة ألقت بظلال ثقيلة على العملة المحلية، حيث فقد الريال الإيراني المزيد من قيمته أمام الدولار، ما تسبب في قفزات مفاجئة في الأسعار طالت كل شيء تقريباً، بدءاً من الخبز وليس انتهاء بالإيجارات، الأمر الذي لم يعد يحتمله ذوو الدخل المحدود أو حتى أفراد الطبقة المتوسطة الذين باتوا يصارعون للبقاء فوق خط الفقر.
وتكشف شهادات الإيرانيين عن واقع مرير؛ حيث تحولت اللحوم ومنتجات الألبان إلى سلع ترفيهية لقطاعات واسعة من الشعب، بينما يواجه المرضى أزمة مزدوجة تتمثل في شح الأدوية الحيوية وارتفاع أثمانها لمستويات فلكية.
ولم ترحم هذه الموجة التضخمية الطبقة المتوسطة التي بدأت تتلاشى تدريجياً لتنضم إلى صفوف الفقراء، في حين بات تأمين البروتين الحيواني والأدوية المزمنة حلماً بعيد المنال للكثير من العائلات التي اضطرت لتقليص وجباتها اليومية كاستراتيجية أخيرة للصمود، وفق «سي إن إن».
على المستوى الاجتماعي، تتجلى الأزمة في أوضح صورها عبر قصص الخريجين والشباب الذين يواجهون سوق عمل مشلولاً، حيث أدت العقوبات إلى إغلاق العديد من المصانع وهروب الاستثمارات، ما حوّل الطاقات الشبابية إلى قوى عاملة في مهن هامشية لا توفر حداً أدنى من الأمان الوظيفي.
وفي الوقت نفسه، يبرز مشهد المتقاعدين كأكثر الفئات تضرراً وأحد أكثر فصول الأزمة مأساوية، إذ تحولت معاشاتهم التي كانت تكفي لحياة عادية قبل سنوات إلى مبالغ رمزية لا تغطي تكاليف العلاج الأساسي، الأمر الذي دفع ببعضهم إلى افتراش الأرصفة بحثاً عن عمل يسد رمق عائلاتهم.
وتشير التقديرات الاقتصادية إلى أن خطر الانزلاق نحو «الفقر المطلق» لم يعد مجرد تحذير نظري، بل بات واقعاً يهدد ملايين الإيرانيين.
ومع استمرار العزلة المالية والتعثر في إصلاح النظم البنكية، تزداد الفجوة الطبقية اتساعاً، تاركةً الغالبية العظمى في مواجهة مباشرة مع شح الدواء وارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية بوتيرة مقلقة.
إن هذا المشهد يضع صانع القرار في إيران أمام استحقاقات داخلية كبرى، حيث يتجاوز القلق الشعبي حدود المطالب السياسية ليتركز في صلب الاحتياجات الإنسانية والمطالبة بكرامة العيش في ظل اقتصاد ينهكه الانتظار والوعود.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا النزيف الاقتصادي من دون تدخلات سياسية أو إصلاحات جذرية قد يدفع بملايين إضافيين نحو مربع الفقر المدقع، ما يعمّق الفجوة الطبقية، ويزيد من حالة الاحتقان الاجتماعي في البلاد.