من بيده القرار في إيران؟

الشارع الإيراني في ذروة الحرب لم يشعر بوجود قيادة موحدة -  أرشيفية
الشارع الإيراني في ذروة الحرب لم يشعر بوجود قيادة موحدة - أرشيفية

مع إلغاء واشنطن زيارة وفدها لباكستان، وإعلان الرئيس دونالد ترامب مجدداً أنه لا أحد يعرف من يقود إيران، يتكرر السؤال الذي يطرح منذ بدء الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في 28 فبراير، وقتل فيها المرشد علي خامنئي وعدد كبير من القادة السياسيين والعسكريين. ويطرح كثيرون سؤالاً متكرراً عرضه تقرير لشبكة «بي بي سي»، يقول: من المسؤول في إيران الآن؟ ويضاف هنا سؤال ثان: هل ما يعلن رسمياً يعكس ما يجري على أرض الواقع؟

رسمياً، تولى مجتبى خامنئي، منصب المرشد بعد مقتل والده. وبحسب نظام الحكم المعمول به في إيران، فإن لهذا المنصب الدور الحاسم والكلمة الفصل في الحرب والسلام، وكل ما هو استراتيجي في الدولة. لكن على أرض الواقع الصورة الحقيقية أكثر غموضاً بكثير، كما يقول التقرير. فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصف القيادة الإيرانية مراراً وتكراراً بأنها منقسمة، وأشار في مواقفه الأخيرة غداة الإعلان عن تمديد المهلة، إلى أن الولايات المتحدة تنتظر من طهران تقديم «مقترح موحّد»، في إشارة إلى عدم وجود موقف تفاوضي موحد في إيران.

مجتبى لم يظهر علناً منذ توليه السلطة. ولا يوجد دليل مباشر على أنه المسيطر على إدارة شؤون البلاد اليومية، باستثناء عدد قليل من البيانات المكتوبة، منها بيان يؤكد فيه استمرار إغلاق مضيق هرمز. وأقر مسؤولون إيرانيون بإصابة مجتبى في الغارات الأولى، لكنهم لم يقدموا تفاصيل كثيرة.

ونقلت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، عن مصادر إيرانية، قبل بضعة أيام، أنه ربما يكون قد أصيب بجروح متعددة، من بينها إصابات في وجهه جعلت من الصعب عليه الكلام.

الغياب المؤثر

غياب المرشد مؤثر، إذ إن السلطة في النظام السياسي الإيراني ليست مؤسسية فقط بل تتجاوزها إلى الممارسة. فالمرشد الأب كان يعبر عن توجهاته من خلال خطاباته وظهوره المدروس، وقد لعب دور الحكم علناً بين السلطات. أما الآن، فقد غابت هذه الوظيفة التوجيهية إلى حد كبير.

والنتيجة وجود فراغ في تفسير ما يجري في إيران،على نحو بدا معه أن عملية صنع القرار أصبحت أقل مركزية مما كانت عليه قبل الحرب.

من الناحية النظرية، تقع الدبلوماسية على عاتق الحكومة، وهو ما حدث خلال الجولة الأولى من المفاوضات بعد الحرب، والمفاوضات التي سبقت الحرب. لكن لا يبدو أن أياً من المسؤولين الحكوميين هو من يضع استراتيجية، كما أن هناك شكوكاً حول السلطة التي يتمتعان بها، بسبب حقيقة أن وفد إيران يرأسه رئيس البرلمان.

يبدو أن وزير الخارجية يقوم بدور تنفيذي أكثر منه جزءاً من صناعة القرار. وقد كشف تراجعه السريع عن موقفه بشأن فتح أو إغلاق مضيق هرمز لمحة نادرة عن مدى ضآلة سيطرة المسار الدبلوماسي على القرارات العسكرية في إيران، ففي البداية أشار إلى استئناف حركة المرور ثم تراجع سريعاً عن ذلك، بعد تدخل من «الحرس الثوري».

أما بالنسبة للرئيس الإيراني فيبدو أنه ينحاز إلى التوجه العام للنظام من دون أن يساهم بشكل واضح في تشكيله. وباعتباره شخصية معتدلة نسبياً، فقد تجنب حتى الآن تبني خط مستقل. يؤكد تعثر انعقاد الجولة الثانية من المحادثات في إسلام آباد هذه النقطة.

نفوذ العسكريين

ما يجري فعلياً يعني أن السلطة الحقيقية مرهونة بأيدي جهات فاعلة تعمل في الخفاء. وعلى عكس الأزمات السابقة، لا توجد شخصية واحدة محددة تتولى بوضوح زمام الاستراتيجية، ولذلك تبدى مشهد سياسي يظهر فيه نمط معين مفاده «الأفعال أولاً، ثم إرسال الرسائل لاحقاً، وليس هناك دائماً اتساق».

لذلك، اشتدت حدة الخطاب المتشدد، حيث باتت وسائل الإعلام الحكومية والحملات العامة تصور المفاوضات على أنها علامة ضعف. وفي ظل نظام يعتمد على التعليمات القادمة من الأعلى، يبدو الغموض له دلالة. وتشير كل المؤشرات معاً إلى أن النظام يعمل، لكنه يفتقر إلى التوجيه المتماسك، فسلطة المرشد الجديد قد تكون موجودة لكنها لا تُمارس علناً. وبالمحصلة تبدو الرئاسة متداخلة في العملية، لكنها لا تقود. الدبلوماسية نشطة، لكنها غير حاسمة. الجيش يمتلك زمام الأمور، لكن من دون وجود مُهندس سياسي واضح. والشخصيات السياسية تتقدم، لكن من دون شرعية مطلقة.

وبالتالي فإن النظام يتحرك على جبهات متعددة، لكنه يكافح لتوجيه رسالة واضحة إلى مراكز قوته، وفي النموذج الإيراني، تُعد الإشارات هي الوسيلة للحفاظ على التماسك. لكن هذا يثير التساؤل على نطاق واسع حول ما إذا كان هذا التماسك الظاهري قادراً على الاستمرار.