هدنة جديدة لاختبار نوايا إيران... هل تصمد؟

مع تمديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هدنة وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران دون تحديد مدة محددة، تتجه الأنظار إلى مآلات هذه «الاستراحة القسرية» التي فرضتها ضغوط عسكرية واقتصادية غير مسبوقة، وسط رهانات متباينة على ما إذا كانت تمهّد لتسوية شاملة، أم تؤجل جولة جديدة من التصعيد في سياق اختبار نوايا إيران في تعديل سياستها وتقبل الشروط لتحقيق اتفاق نهائي.

تأتي هذه الهدنة في سياق مسار تفاوضي مرتقب في إسلام آباد بين الوفد الأمريكي والوفد الإيراني بهدف احتواء الأزمة ومنع انزلاقها إلى حرب أوسع تهدد أمن الطاقة العالمي واستقرار الأسواق الدولية، وخاصة مع الارتباط المباشر بملف مضيق هرمز الحيوي.

رجّحت مصادر أمريكية أن يكون تمديد وقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران، مساء أمس الثلاثاء، لفترة قصيرة الأمد ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع.

تقدير لباكستان

وأفادت المصادر لشبكة «فوكس نيوز» الأمريكية بأن هذه الخطوة جاءت تقديراً لباكستان على دورها في الوساطة.ولفتت الشبكة إلى أن هذا التمديد «قد لا يستمر طويلاً ما لم يتم التوصل إلى اتفاق سريع»، في ظل استمرار التوترات، بما في ذلك الحصار البحري الأمريكي وتأثيره في الوضع الاقتصادي الإيراني.

وذكرت «فوكس نيوز» أن هذه الخطوة تمثّل دفعة أخيرة نحو السلام للشعب الإيراني الذي أنهكته الحرب، مضيفة إنها تمنح النظام في إيران مزيداً من الوقت لمحاولة التنسيق والتواصل داخلياً.هدنةويرى خبراء ومراقبون أن تمديد الهدنة لا يعكس نهاية للصراع بقدر ما يمثل «تجميداً مؤقتاً له»، إذ جاءت نتيجة توازنات ميدانية دقيقة، وليس نتيجة اتفاق سياسي شامل.

شروط أكثر صرامة

ويؤكد محللون أن الطرفين دخلا الهدنة بدوافع مختلفة؛ فواشنطن تسعى إلى تثبيت مكاسبها العسكرية وفتح نافذة تفاوض بشروط أكثر صرامة، بينما تحاول طهران امتصاص الضربات وإعادة ترتيب أوراقها في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة وتفادي مزيد من الخسائر المالية في ظل حصار هرمز.

وفي هذا السياق، يشير خبراء إلى أن السيناريو الأكثر ترجيحاً يتمثل في استمرار الهدنة لكن مع بقاء احتمالات الانهيار قائمة في أي لحظة، وخاصة في ظل عدم وجود ضمانات حقيقية لالتزام الأطراف، فضلاً عن اتساع فجوة الخلافات بشأن الملفات الجوهرية، وعلى رأسها البرنامج النووي والدور الإقليمي لإيران.

ويؤكد مراقبون أن نجاح هذه الهدنة مرهون بقدرتها على التحول إلى مسار سياسي واضح، إذ إن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة تحقيق سلام دائم، بل يمثل فرصة محدودة زمنياً لاختبار النوايا. فإذا نجحت المفاوضات المرتقبة في تحقيق تقدم ملموس، قد تتحول الهدنة إلى اتفاق أطول أمداً، أما في حال تعثرها، فإن المنطقة قد تعود سريعاً إلى دائرة التصعيد.

عامل حسم

ويشير محللون إلى أن ملف مضيق هرمز سيظل عاملاً حاسماً في تحديد مسار المرحلة المقبلة، في ظل ارتباطه المباشر بأمن الطاقة العالمي، حيث يشكّل فتحه وضمان سلامة الملاحة شرطاً أساسياً لاستمرار التهدئة.ويجمع الخبراء على أن الهدنة تمثل لحظة مفصلية، لكنها «هشة بطبيعتها»، إذ تقف بين احتمالين متناقضين: إما أن تكون بوابة لتسوية سياسية شاملة تعيد صياغة التوازنات في المنطقة، أو مجرد هدنة تكتيكية تسبق مرحلة أكثر تعقيداً من الصراع، في ظل بقاء جذور الأزمة دون حل جذري.

اختبار

يرى أستاذ السياسات الدولية د. أشرف سنجر، أن الهدنة الجديدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران ترتبط بحزمة من الترتيبات المتبادلة التي تشكل اختباراً حقيقياً لنجاحها، مشيراً إلى أن العامل الحاسم يتمثل في التزام طهران بفتح كلي لمضيق هرمز وضمان انسياب ناقلات النفط.

ويشدد د. سنجر على أن المضيق ليس خاضعاً لسيادة إيرانية خالصة، بل يمثل ممراً دولياً مشتركاً، وأن إصرار إيران على عرقلة الملاحة فيه ستدفع ثمنه باستمرار حصار هرمز من أمريكا. 3 عوامل رئيسة أما د. حمدي أعمر حداد، الباحث في العلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، فيرى أن الهدنة الجديدة تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت تمثل بداية لمسار تهدئة حقيقي، أم مجرد خطة تكتيكية تفرضها حسابات الميدان.

ويوضح أن الهدنة، رغم ما تعكسه ظاهرياً من رغبة في احتواء التصعيد، قد تكون في جوهرها فرصة لإعادة ترتيب الأوراق، في ظل الكلفة العسكرية والاقتصادية المرتفعة التي تكبدها الطرفان.

3 عوامل

ويؤكد حداد أن مآلات الهدنة تحكمها ثلاثة عوامل رئيسة: أولها حسابات الربح والخسارة، حيث تسعى واشنطن إلى إعادة ترتيب تحالفاتها.

وثانيها دور الفاعلين الإقليميين، وعلى رأسهم إسرائيل، الذين قد يسهمون في تثبيت التهدئة أو تقويضها.

أما العامل الثالث فيتمثل في أزمة الثقة العميقة بين الطرفين، والتي تعرقل أي تحول نحو تسوية مستدامة.

ويخلص إلى أن السيناريوهات المحتملة تتراوح بين تحويل الهدنة إلى مسار تفاوضي، أو العودة إلى التصعيد، أو الاستمرار في إدارة الصراع دون حسم. وبالتالي، فإن هذه الهدنة – برأيه - لا تغيّر قواعد اللعبة بقدر ما تفتح نافذة محدودة لإعادة تشكيل التوازنات، فيما يبقى الحسم رهناً بما يجري خلف الكواليس خلال هذه الفترة القصيرة.