«القرصنة» الإيرانية في هرمز.. إرهاب يتحدى قوانين العالم

تدفع شعوب العالم ثمن البلطجة الإيرانية وعدم التزامها بفتح مضيق هرمز لحركة الملاحة العالمية وتعطيل سلاسل الإمدادات، ومحاولة فرض رسوم على الناقلات، حيث يجمع العالم على أن ما تقوم به طهران في «هرمز» قرصنة وإرهاب اقتصادي في انتهاك خطير للقانون الدولي.

تتواصل أصداء إعلان إيران نيتها فرض رسوم عبور على السفن والناقلات التي تبحر عبر مضيق هرمز، وهي الخطوة التي تعد عدواناً على حرية الملاحة البحرية وقرصنة مقننة لحركة التجارة العالمية.. ولا سيما في ظل ما يمثله المضيق من شريان حيوي للتجارة والطاقة العالمية، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط والغاز.

وقُوبل إعلان النظام الإيراني عن هذه الخطوة برفض واستهجان عالميين واسعين، كما فتح الباب للنقاش حول مدى قانونية هذا الطرح المخل والاستبدادي من جانب قادة طهران.

ويرى محللون وخبراء في القانون الدولي أن أي تحرك من هذا النوع يصطدم مباشرة بمبادئ راسخة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تنظم حقوق المرور في المضائق الدولية.

وبحسب هذه القواعد، فإن مضيق هرمز يُعد من المضائق المستخدمة للملاحة الدولية، ما يمنح السفن حق «المرور العابر» دون قيود أو تعطيل، وهو حق لا يجوز إخضاعه لرسوم مالية إلا في حالات محددة ترتبط بخدمات فعلية تُقدَّم للسفن، مثل الإرشاد الملاحي أو خدمات السلامة.

مضيق هرمز هو ممر مائي يربط الخليج بخليج عُمان، ويقع بين المياه الإقليمية لكل من إيران وعُمان. ويمكن وصفه ربما بأنه أهم ممر لشحن الطاقة في العالم، إذ يمر عبره نحو 20 في المئة من نفط العالم.

ويبلغ طول الممر المائي حوالي 104 أميال (167 كيلومتراً). ويتفاوت عرضه، ويتضمن في أضيق نقطة فيه مسارين بعرض ميلين لحركة عبور السفن الداخلة والخارجة تفصلهما منطقة عازلة بعرض ميلين أيضاً.

وأغلقت إيران المضيق بحكم الأمر الواقع في أعقاب الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على البلاد، وتطالب بالحق في تحصيل رسوم عبور كشرط مسبق لإنهاء الحرب.

اتفاقية الأمم المتحدة

جرت المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في عام 1982 ويتم العمل بها منذ عام 1994.

تنص المادة 38 منها على حق السفن في المرور دون عوائق عبر أكثر من 100 مضيق حول العالم، من بينها مضيق هرمز.

وتسمح الاتفاقية لأي دولة تطل على مضيق بتنظيم المرور داخل «مياهها الإقليمية»، لما يصل إلى مسافة 12 ميلاً بحرياً من حدودها، مع السماح «بالمرور البريء».

ويكون المرور بريئاً إذا لم يشكل خطراً على سلامة الدولة ونظامها وأمنها. ولا يتم السماح بأنشطة الأعمال العسكرية أو التلويث الخطير أو التجسس أو الصيد.

انتهاك لحرية الملاحة

ويؤكد خبراء أن فرض رسوم عبور دون تقديم خدمات مقابلة يمثل انتهاكاً واضحاً لمبدأ حرية الملاحة، وقد يرقى إلى إجراء ذي طابع قسري يستهدف الضغط السياسي والاقتصادي، وخاصة إذا اقترن بتهديدات أو إجراءات ميدانية تعيق حركة السفن.

ويؤكد خبراء القانون الدولي أن مثل هذه الممارسات قد تُفسَّر كنوع من «الإكراه البحري»، وهو مفهوم يقترب في دلالاته من توصيفات «الإرهاب البحري»، إذا ما استُخدمت أدوات عسكرية أو شبه عسكرية لفرض تلك القيود.

«إرهاب بحري»

وعلى الرغم من أن مصطلح «الإرهاب البحري» لا يحظى بتعريف قانوني موحّد في جميع الأطر الدولية، ويُستخدم غالباً في السياقات السياسية والإعلامية، إلا أن أي سلوك يؤدي إلى تعطيل متعمد للملاحة أو تهديد سلامة السفن يمكن أن يُصنّف ضمن الأعمال غير المشروعة دولياً، ويفتح المجال أمام ردود فعل متعددة، بما في ذلك اتخاذ تدابير لحماية حرية الملاحة.

سابقة خطيرة

ويحذر الخبراء من أن استمرار مثل هذه الإجراءات من جانب طهران قد يخلق سابقة خطيرة تمس النظام القانوني الدولي للبحار، وقد يدفع الدول المتضررة إلى اللجوء إلى آليات قانونية دولية، أو تشكيل ترتيبات أمنية بحرية لضمان انسياب التجارة، ولا سيما أن تداعيات هذه الخطوة لا تقتصر على الإطار القانوني فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي، حيث إن أي اضطراب في مضيق هرمز ينعكس سريعاً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.

ويخلص الخبراء إلى أن فرض رسوم عبور في مضيق دولي دون سند مشروع يُعد خرقاً صريحاً لقواعد الملاحة الدولية، ويضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لقدرة منظومة القانون البحري على حماية أحد أهم الممرات الحيوية في العالم، في ظل تصاعد التوترات وتداخل المصالح السياسية والاقتصادية.

«إكراه اقتصادي»

إلى ذلك، ترى الدكتورة رشا سهيل محمد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الموصل، أن الجدل المتصاعد حول قانونية الرسوم الإيرانية في مضيق هرمز يعكس تعقيد التداخل بين الاعتبارات القانونية والسياسية في واحد من أهم الممرات البحرية عالمياً.

وتوضح أن المضيق، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، يخضع لنظام «المرور العابر» المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، والذي يضمن حرية الملاحة دون فرض رسوم إلزامية.

وتضيف إن الرأي القانوني الغالب يعتبر أي رسوم أحادية الجانب انتهاك صريح لمبدأ حرية الملاحة، وخاصة أن هذا المبدأ يُعد من القواعد المستقرة في القانون الدولي العرفي.

وفي ما يتعلق بالتكييف القانوني، ترى أن وصف هذه الممارسات بـ«الإرهاب البحري» يظل محل نقاش، لكنه يقترب من مفاهيم «الإكراه الاقتصادي البحري» أو «القرصنة السيادية» إذا اقترن بتهديد أو تعطيل فعلي للملاحة.

وتخلص إلى أن أي محاولة إيرانية لفرض رسوم على المرور في مضيق هرمز تُعد إجراءً غير مشروع دولياً، وتشكل تهديداً لحرية الملاحة وتمثل سلوكاً تصعيدياً يضر بالمصالح الجماعية للمجتمع الدولي.

ابتزاز جيوسياسي

بدوره، يرى المستشار وليد حلمي، أن محاولات لفرض رسوم عبور في مضيق هرمز تفتقر إلى أي أساس قانوني راسخ، مؤكداً أن التاريخ القانوني للممرات الدولية لم يشهد سابقة «مقننة» من هذا النوع، باعتبار أن المضائق تُعد منافع عامة تخضع لمبدأ حرية الملاحة.

ويشير إلى أن قضية مضيق كورفو تمثل حجر الزاوية في هذا السياق، إذ أكدت المحكمة في حكمها الصادر عام 1949 حق المرور البريء دون إذن مسبق أو رسوم، وهو ما رسّخ حدود السيادة الساحلية ومنع استخدامها لتعطيل الملاحة أو تحميلها أعباء مالية.

كما يوضح أن أي محاولة للاستشهاد بـمعاهدة مونترو لا تنطبق على حالة هرمز، لكونها اتفاقية موقعة عام 1936 تتيح رسوماً محدودة مقابل خدمات، بخلاف نظام «المرور العابر» الذي أقرته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار عام 1982، والذي يمنع أي جباية لمجرد العبور.

ويضيف إن المجتمع الدولي تعامل بحزم مع محاولات التضييق في المضيق خلال «حرب الناقلات» بين عامي 1980 و1988، سواء عبر الحماية العسكرية للملاحة أو من خلال قرارات مجلس الأمن، ولا سيما القرارين 540 (عام 1983) و552 (عام 1984)، اللذين أدانا استهداف السفن التجارية.

ويختتم حلمي بالتأكيد أن أي محاولة إيرانية لفرض رسوم ستواجه بمسارين: قضائي عبر اللجوء إلى المحكمة الدولية لقانون البحار، وقانوني عبر تكييفها كأعمال غير مشروعة تندرج ضمن الابتزاز الجيوسياسي، لا ضمن ممارسات السيادة المشروعة.